حين اختُزلت الديمقراطية في صناديق الاقتراع
ثمة أفكارٌ تغيّر السياسات، وثمة أفكارٌ تغيّر الطريقة التي نفهم بها السياسة نفسها. ولعل الديمقراطية في العالم العربي كانت، طوال عقود، من أكثر المفاهيم تداولًا، لكنها كانت أيضًا من أكثرها تعرضًا للاختزال. فقد انصرف معظم الجدل السياسي إلى سؤال: «من يحكم؟» بينما ظل سؤال آخر، لا يقل أهمية، غائبًا عن معظم النقاشات: «ما الذي يمنع الحاكم، أيًّا كانت طريقة وصوله إلى السلطة، من أن يتحول إلى مستبد؟».
قد يبدو هذا السؤال نظريًا، لكنه يمس جوهر المأزق الذي رافق التجارب الديمقراطية العربية. فمنذ بدايات الدعوات إلى الإصلاح السياسي، جرى التعامل مع الديمقراطية باعتبارها آلية لاختيار الحكام أكثر من كونها منظومة دستورية لتنظيم السلطة وتقييدها. ولا تستهدف هذه القراءة التقليل من شأن الديمقراطية، بل تؤكد أن اكتمالها لا يتحقق إلا عندما تُستكمل بالليبرالية الدستورية، فتغدو السلطة خاضعة للدستور، والحقوق مصونة بالقانون، والحريات محمية بمؤسسات مستقلة.
سؤالان... ومساران مختلفان
تنطلق هذه المقالة من فرضية مؤداها أن الفكرة الديمقراطية نفسها وصلت إلى المجال العربي وقد فُهمت فهمًا ناقصًا؛ إذ جرى التركيز على آليات الوصول إلى السلطة أكثر من المبادئ الدستورية التي تنظم ممارستها.
لقد انشغل الفكر السياسي العربي طويلًا بالسؤال: «من يحكم؟»، بينما انشغل الفكر الدستوري الحديث بسؤال آخر: «كيف نمنع السلطة، أيًّا كان من يمارسها، من تجاوز حدودها؟». ولم تنشأ الديمقراطية والليبرالية الدستورية تاريخيًا باعتبارهما مفهومًا واحدًا، بل التقيا لاحقًا ليشكلا ما يُعرف اليوم بالديمقراطية الليبرالية، التي تجمع بين الشرعية الانتخابية والقيود الدستورية على ممارسة السلطة.
أين وقع الخلل في التجربة العربية؟
يكمن الخلل في أن الانتخابات تحولت، في كثير من الأحيان، إلى غاية المشروع الديمقراطي لا إلى بدايته. لذلك تنازعت القوى السياسية حول الأشخاص والأحزاب، بينما تراجع الاهتمام باستقلال القضاء، والفصل بين السلطات، والضمانات الدستورية، وحماية الحقوق والحريات.
وليس المقصود إنكار أثر الاستبداد أو الانقلابات أو تزوير الانتخابات، وإنما الإشارة إلى أن غياب الثقافة الدستورية أضعف قدرة أي انتقال سياسي على ترسيخ دولة القانون.
من صندوق الاقتراع إلى الدولة الدستورية
إن إعادة بناء الدولة العربية لن تبدأ بإعادة توزيع السلطة فحسب، بل بإعادة تعريفها. فالسلطة في الدولة الحديثة أمانة دستورية تُمارس داخل حدود القانون، لا امتياز يمنحه الفوز في الانتخابات.
ومن هنا تنطلق هذه السلسلة لإعادة النظر في بعض المسلمات التي حكمت التفكير السياسي العربي. فإذا كان صندوق الاقتراع يمنح شرعية الوصول إلى السلطة، فإن الدستور يمنح شرعية ممارستها. وبين هاتين الشرعيتين يكمن أحد أهم مفاتيح فهم المأزق الديمقراطي العربي، وربما أحد أهم مفاتيح تجاوزه.
في حديث الاسبوع القادم: «الديمقراطية والليبرالية الدستورية... كيف افترق السؤالان؟».
