في عدن، لا تسأل الناس “متى تأتي الكهرباء؟” بل “كم ساعة بقيت على الظلام؟”. المدينة التي دخلتها الكهرباء عام 1926م كأول مدينة في الجزيرة العربية، تغرق اليوم في عتمة مزمنة. 10 ساعات “طافي” مقابل ساعتين “لاصي” صار جدولاً ثابتاً لحياة ملايين المواطنين. هذا ليس عطلاً طارئاً. هذا “ثقب أسود” يبتلع المدينة، واقتصادها، وكرامة سكانها.
في 20 أكتوبر 2025، أعلنت المؤسسة العامة للكهرباء في عدن انقطاع التيار بصورة كاملة. القدرة التوليدية بلغت “صفر ميجاوات”. السبب المباشر: نفاد الوقود. المحطة الرئيسية “بترو مسيلة” تحتاج 7 ناقلات نفط خام يومياً، ولا يصلها سوى 4. هذه المرة الثالثة التي تنقطع فيها الكهرباء انقطاعاً كاملاً خلال عام واحد فقط.
من أصل 17 محطة توليد في عدن، تعمل 5 فقط. البقية متوقفة بسبب نفاد الوقود وغياب الصيانة. القدرات المركبة نظرياً 470 ميجاوات، لكن الإنتاج الفعلي لا يتجاوز 200 ميجاوات في أحسن الأحوال. محطة الطاقة الشمسية التي افتُتحت كـ”حل” لا تستطيع العمل وحدها. توقف “بترو مسيلة” يعني توقف الشبكة بالكامل لعدم وجود “مركز أحمال”.
كلفة تشغيل كهرباء عدن 55 مليون دولار شهرياً، بمعدل 1.8 مليون دولار يومياً. المفارقة القاتلة: الإيرادات الشهرية لا تغطي كلفة تشغيل يوم واحد. لماذا؟ نتيجة الاعتماد المفرط على الديزل مرتفع التكلفة. 65 % من الاستهلاك يذهب للقطاع السكني بتعرفة متدنية جداً. متوسط التعرفة لا يغطي سوى 10 - 15 % من تكلفة الوقود، ضعف التحصيل، وتعرض عمال الكهرباء للاعتداء.
يقول مهندسون إن الجذر هو توقف مصافي عدن عقب حرب صيف 2015. المصافي كانت تكرر وتوزع المشتقات للمحطات. بعدها صارت الحكومة تستورد الوقود بأسعار باهظة. مشروع “محطة الرئيس” 64 ميجاوات خفف الأزمة جزئياً، لكن إمدادات الخام غير منتظمة بسبب توقف الإنتاج في حقول حضرموت وشبوة ومأرب نتيجة الهجمات.
انقطاع الكهرباء الكلي يعني “توقف شامل” في ضخ المياه وتشغيل محطات الصرف الصحي. المستشفيات والمرافق الصحية تتعطل، والأنشطة التجارية تتوقف. وبالتالي: تتضاعف معاناة المواطنين وسط ظروف معيشية صعبة. ولا توجد مؤشرات واضحة على حلول قادمة.
مع دخول الصيف وارتفاع الطلب، تصل ساعات الانقطاع إلى أكثر من 18 ساعة يومياً في بعض المناطق بالعاصمة عدن. المواطنون خرجوا، قطعوا الطرق وأحرقوا الإطارات.
الحكومة أعلنت “حزمة إجراءات فورية”: تعزيز الوقود، تسريع الصيانة، توزيع عادل للطاقة. وعود بخطوات استراتيجية لأن “الحلول المؤقتة لم تعد مجدية”. وهناك مباحثات مع التحالف بقيادة السعودية لتأمين دعم عاجل بالمشتقات النفطية، والمؤسسة العامة للكهرباء لا تزال تطالب الجهات المعنية “بتحمل مسؤولياتها الوطنية والإنسانية” لتأمين الوقود.
الأزمة تتطلب “حلولاً جذرية وخارطة طريق مستدامة”: إعادة تأهيل البنية التحتية، توسيع القدرات التوليدية، تنويع مصادر الطاقة، تعزيز الأداء المالي، وتفعيل دور القطاع الخاص.
للتأمل:
في المدينة التي أنارت الجزيرة العربية أول مرة عام 1926، صار الظلام هو القاعدة والنور استثناء. الكهرباء في عدن لم تعد خدمة. صارت مقياساً لفشل الدولة، ومرآة لمعاناة الناس. وحين تصل القدرة التوليدية إلى “صفر”، فالسؤال لا يعود عن الكهرباء وحدها، بل عن معنى الحياة في مدينة تُركت لتقاتل العتمة بيد وتبحث عن الماء والدواء باليد الأخرى.
