الحقيقة أن “قاطرة التوليد” لم تعد قادرة على سحب الأحمال التي تتزايد عامًا بعد آخر.
تعتمد منظومة الكهرباء في عدن على ثلاث محطات رئيسية: محطة الرئيس (بترومسيلة)، ومحطة المنصورة (ورسيلا 2)، ومحطة الحسوة، بإجمالي قدرة نظرية تقارب 297 ميجاوات. غير أن هذه القدرة، عمليًا، لا تنعكس كإنتاج فعلي مستقر.
فمحطة الحسوة تعمل بتوربين واحد فقط لا يتجاوز إنتاجه 25 ميجاوات، رغم إمكانياتها الأكبر. أما محطة المنصورة، فتعمل بأربعة مولدات من أصل سبعة، بعد خروج بعضها عن الخدمة نتيجة أعطال وانفجارات، ليقتصر إنتاجها على نحو 32 ميجاوات. وفي محطة الرئيس، يتطلب تشغيل التوربينات بكامل طاقتها كميات ضخمة من الوقود تصل إلى نحو 20 قاطرة يوميًا، وهو ما يجعل التشغيل الكامل صعب التحقيق في ظل الخشية من عدم انتظام الإمدادات.
إلى جانب ذلك، توجد محطات صغيرة موزعة في عدد من المناطق لا يتجاوز إنتاجها مجتمعًا 70/50 ميجاوات، إضافة إلى مساهمة محدودة للطاقة الشمسية تتراوح بين 60 و90 ميجاوات خلال ساعات النهار فقط.
في المقابل، بدأت الأحمال بالارتفاع مع دخول الصيف، متجاوزة 500 ميجاوات بنهاية مارس، مع توقعات ببلوغ ذروة قد تصل إلى 800/700 ميجاوات وأكثر كما حدث في العام الماضي. وهذا يعني أن العجز قائم منذ الآن، وقبل الوصول إلى ذروة الطلب.
ولا تتوقف الأزمة عند التوليد، فالوقود مستقر حاليا، ولكن يخشى أن يعاني من عدم الاستقرار، كما أن محطات التوليد تستقبل وقود كل يوم بيومه، وخطوط النقل تواجه تحديات فنية، فيما يتزايد الفاقد في الشبكة، خاصة بعد استبدال النحاس بالألمنيوم في بعض الخطوط، وهو خيار ما تزال كلفته الفنية محل تساؤل.
كل ذلك يضع وزارة الكهرباء ومؤسسة كهرباء عدن أمام اختبار حقيقي. فالكهرباء لم تعد مجرد خدمة، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في استقرار الحياة اليومية، ومحركًا مباشرًا للنشاط الاقتصادي.
عدن اليوم لا تحتاج إلى حلول إسعافية مؤقتة، بل إلى رؤية استراتيجية واضحة تشمل: صيانة حقيقية للمحطات، تأمينًا مستدامًا للوقود، تحديثًا لشبكات النقل، والتوسع الجاد في الطاقة البديلة، ومراقبة دقيقة لاستخدام الوقود.
ومع ذلك، يظل سؤال يتكرر دون إجابة: ما مصير المحطة القطرية بقدرتها (50/46 ميجاوات)؟ ولماذا لا تزال خارج معادلة التوليد رغم الحاجة الملحة لكل ميجاوات؟
أسئلة مشروعة، لكنها حتى الآن بلا إجابات واضحة.
وبين واقعٍ مثقل بالأعطال، وأحمالٍ تتصاعد بلا توقف، تستمر قاطرة التوليد في محاولة بائسة… بينما تمضي الأحمال بسرعة تصاعدية فائقة وفي اتجاهٍ معاكس.
