هذه المشكلة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج سنوات طويلة من الإهمال وغياب المعالجات الجذرية. فالمناطق التي تغمرها المياه اليوم هي ذاتها التي كانت تعاني بالأمس، ما يعكس خللًا واضحًا في التخطيط الحضري، وضعفًا في البنية التحتية، خصوصًا في شبكات تصريف مياه الأمطار وشبكات الصرف الصحي. هذه الشبكات، التي يفترض أن تكون خط الدفاع الأول في مواجهة مثل هذه الظروف، أثبتت عجزها المتكرر عن استيعاب كميات المياه، حتى في حالات الهطول المحدودة جدا.
إن استمرار هذا الوضع يطرح تساؤلات جوهرية حول جدية الحلول المطروحة، ومدى قدرة الجهات المعنية على التعامل مع المشكلة من منظور مستدام. فالمعالجات المؤقتة، كفتح مجارٍ بدائية أو شفط المياه بعد تجمعها، لا تمثل حلولًا حقيقية، بل مجرد إجراءات إسعافية سرعان ما يتلاشى أثرها مع أول موجة أمطار جديدة.
ولعل السؤال الأهم الذي ينبغي طرحه اليوم هو: ماذا سيحدث لو استمرت الأمطار في الهطول على عدن لساعتين متواصلتين فقط؟ الإجابة، وإن بدت بديهية للبعض، تحتاج إلى قراءة هندسية دقيقة. فمن المتوقع أن تغرق مساحات واسعة من المدينة، وأن تتعطل حركة السير بشكل شبه كامل، وقد تتأثر بعض المرافق الحيوية. كما أن الضغط على شبكات الصرف سيصل إلى مستويات حرجة، ما قد يؤدي إلى توقف كامل الحركة بسبب الفيضانات التي سينتج عنها، وهو ما سيشكل خطرًا بيئيًا وصحيًا كبيرًا.
هذا السيناريو ليس مبالغة، بل احتمال واقعي في ظل الوضع الحالي، لاسيما ونحن نعيش في قلب التغير المناخي. لذلك، فإن التعامل مع هذه القضية يتطلب تبني حلول استراتيجية قائمة على دراسات فنية وهندسية متخصصة، تبدأ بإعادة تأهيل شبكات التصريف، وتوسعتها بما يتناسب مع التغيرات المناخية والكثافة السكانية، مرورًا بتخطيط حضري يراعي طبيعة المدينة الجغرافية، وانتهاءً بإنشاء أنظمة حديثة لإدارة مياه الأمطار.
إن معاناة عدن مع الأمطار لم تعد مجرد ظاهرة موسمية، بل أزمة بنيوية تتطلب تدخلًا عاجلًا ومسؤولًا. وبينما يستمر المواطن في مواجهة تبعات هذه الأزمة عامًا بعد آخر، يبقى الأمل معقودًا على أن تتحول هذه المشكلة من حالة مزمنة إلى ملف قابل للحل، إذا ما توفرت الإرادة والرؤية والتخطيط السليم.
