في هذا المشهد المرتبك، لا يعود السؤال: ماذا يحدث؟ بل: كيف أصبح هذا يحدث بهذه السهولة؟
في التعيينات الرسمية، حيث يُفترض أن يكون “الملف الوظيفي” مرآةً نزيهة تعكس تاريخ الفرد وكفاءته، يُختزل كل ذلك في دائرة ضيقة من العلاقات والولاءات. لا يُستدعى الجهد، ولا يُستحضر التاريخ المهني، بل تُفتح الأبواب لمن يجيدون (فنّ الاقتراب)، لا فنّ الإنجاز. تُصاغ القرارات في الخفاء، وتُمرَّر الأسماء وفق ميزانٍ لا يرى إلا الوجوه القريبة، بينما يُدفع المستحقون إلى هامشٍ صامت، كأنهم لم يكونوا يومًا جزءًا من معادلة البناء.
وفي الوحدات الإدارية، تقف النظم واللوائح (بما لها من قوة القانون) شاهدًا صامتًا على زمنٍ لا يُصغي إليها. تُلقى جانبًا عند أول اختبار للمصلحة، وتُستبدل بثقافةٍ تُعلي من شأن القرب والولاء على حساب الكفاءة والاستحقاق.
يصبح الانتماء الشخصي جواز عبور، بينما يتحوّل الاجتهاد إلى عبءٍ لا يُكافأ، وكأن المؤسسات لم تعد كيانًا عامًا، بل مساحةً ضيقة تُدار بمنطق خاص.
غير أن الوجه الأكثر إيلامًا في هذا الواقع لا يكمن في الممارسة ذاتها، بل في اعتيادها. لقد قصّر المجتمع بصمته حينًا وبمسايرته حينًا آخر في أداء واجبه تجاه هذه الانحرافات. تسلّلت المحسوبية والرشاوى والفساد إلى النسيج العام، لا بوصفها ظواهر شاذة ينبغي مقاومتها، بل كأنها قدرٌ لا مفرّ منه. ومع تكرار المشهد، نشأت لغة ساخرة تختزل القانون في عبارة: (مشِي حالك)، وكأن الالتزام استثناء، والتجاوز هو القاعدة.
وفي هذا السياق، تلوح عدن بذاكرتها العريقة وروحها المدنية التي طالما احتفت بالنظام والانفتاح، كأنها تروي حكاية مفارقة.
مدينةٌ عرفت في زمنٍ مضى معنى الدولة وهيبة القانون، تقف اليوم على تخوم واقعٍ يثقل كاهلها بالتناقضات. ومع ذلك، يظل في ملامحها شيءٌ من الأمل؛ شيءٌ يُشبه البحر الذي لا يتعب من إعادة صياغة شواطئه، مهما عبثت به الرياح.
ومع كل هذا، فإن الواقع (على قسوته) ليس قدرًا أبديًا. فبقدر ما أسهم الصمت في ترسيخه، يمكن للوعي أن يكون بداية تفكيكه.
حين يدرك المجتمع أن التساهل مع الفساد مشاركة فيه، وأن العدالة لا تُمنح بل تُنتزع بالتمسك بالقيم، تبدأ ملامح التغيير في التشكل. إن إعادة الاعتبار للقانون، وتقديم الكفاءة على القرابة، وغرس ثقافة المساءلة، ليست أمنية أو حلما، بل ضرورة وجودية لأي مجتمع يسعى إلى استعادة توازنه.
فالإصلاح لا يبدأ من القمة وحدها، بل من ضميرٍ جمعيّ يرفض أن يتكيّف مع الخطأ، ويؤمن أن ما اختلّ يمكن أن يستقيم. وحين تتلاقى الإرادة الفردية مع الوعي الجماعي، يصبح الطريق - وإن طال- أكثر وضوحًا، وتغدو العدالة، التي بدت يومًا بعيدة، احتمالًا ممكنًا لا حلمًا مؤجّلًا.
