الإحصاء السكاني والنشاطات الاقتصادية المتنوعة ليس ترفاً إدارياً، ولا مشروعاً موسمياً، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه سياسات الإسكان، وشبكات المياه، والصرف الصحي، والكهرباء، والطرق، والتعليم، والصحة، وتنظيم الموارد فكيف يمكن تطوير شبكة صرف صحي فعّالة دون معرفة عدد السكان في كل حي، ومعدلات النمو السنوي، والكثافة السكانية، وطبيعة التوسع العمراني؟ وكيف يمكن تقدير احتياجات المدارس أو المراكز الصحية دون بيانات دقيقة عن الفئات العمرية وتوزيعها الجغرافي؟.
الواقع يقول إن أي بنية تحتية تُنفذ دون قراءة إحصائية سليمة، محكوم عليها إما بالعجز المبكر أو بالهدر. مشاريع تتعطل لأنها أقل من الحاجة الفعلية، أو موارد تُستنزف لأنها صُممت فوق مستوى الطلب الحقيقي. وفي الحالتين، تكون النتيجة واحدة: خسارة مالية، وتراجع في مستوى الخدمات، وتآكل في ثقة المواطن.
الأمر لا يقف عند الخدمات الأساسية. فالأمن الغذائي، على سبيل المثال، يرتبط ارتباطاً مباشراً بعدد السكان وأنماط استهلاكهم ومستويات دخلهم. إن تحديد المخزون الاستراتيجي من المواد الغذائية لا يمكن أن يتم بالتقدير العشوائي، بل بحسابات دقيقة تستند إلى بيانات سكانية واضحة. في غياب هذه البيانات، قد نجد أنفسنا أمام عجز خطير في أوقات الأزمات، أو أمام فائض غير مستغل يُهدر في ظروف اقتصادية صعبة.
كما أن العدالة في توزيع المشاريع تعتمد أساساً على الإحصاء. فالمناطق ذات الكثافة السكانية العالية يجب أن تحظى بأولوية في الخدمات، والمناطق المحرومة تحتاج إلى تدخل مبني على أرقام، لا على نفوذ أو انطباعات. ( البيانات الدقيقة تحمي القرار من التحيز) ، وتمنح التخطيط صفة الموضوعية.
في اليمن عموماً، ومع التحولات الديموغرافية التي شهدتها السنوات الأخيرة، باتت الحاجة إلى إحصاء سكاني شامل أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. النزوح الداخلي، والهجرة، والتغيرات الاقتصادية، كلها عوامل أعادت رسم الخريطة السكانية بشكل غير مسبوق. ومع ذلك، ما زالت كثير من القرارات تُتخذ في ظل غياب قاعدة بيانات محدثة وشاملة.
إن إطلاق مشروع وطني للإحصاء السكاني في عدن ليس خياراً قابل للنقاش ، بل ضرورة استراتيجية. مشروع يعتمد على أدوات حديثة، وقواعد بيانات رقمية، وتعاون مؤسسي بين مختلف الجهات. إحصاء لا يقتصر على عدد السكان، بل يشمل تصنيف الاحتياجات الخدمية، وحصر البنية التحتية القائمة، وتحديد الفجوات بدقة.
التنمية الحقيقية تبدأ بسؤال بسيط: كم نحن؟ وأين نحن؟ وما الذي نحتاجه فعلاً؟ دون إجابة دقيقة عن هذه الأسئلة، ستظل الخطط حبراً على ورق، وستظل المشاريع محاولات جزئية لمعالجة أزمات مركبة.
الاستقرار لا يتحقق بالشعارات، بل بالقرارات المبنية على المعرفة. والمعرفة تبدأ بالإحصاء. فمن دون أرقام واضحة، تصبح النتائج عشوائية، وقد تكون كارثية. أما حين تتوفر البيانات الدقيقة، فإن الطريق إلى التنمية يصبح أكثر وضوحاً، وتتحول الموارد المحدودة إلى استثمارات فعّالة، ويصبح القرار أقرب إلى الصواب.
عدن اليوم لا تحتاج فقط إلى مشاريع جديدة، بل إلى رؤية مبنية على أرقام. فالإحصاء ليس مجرد عملية عدٍّ للسكان، بل هو الحجر الأساس لأي مستقبل مستقر ومستدام.
