نبض القلم 1 - 3
إن الواقع الثقافي الحالي في بلادنا يحتم على المثقفين الوطنيين الوحدويين أن يبحثوا عن أسلوب مغاير لماهو سائد في ثقافتنا ، يحتم عليهم الواجب الوطني أن يحملوا على كواهلهم أعباء إحداث تغييرات جذرية في واقعنا الثقافي الراهن. و يحتم عليهم الوقوف بمسؤولية أمام الواقع الحالي بكل إيجابياته وسلبياته. ولعل من أبرز سلبيات الواقع الثقافي الحالي في مجتمعنا شيوع ثقافة الكراهية الناجمة عما ترسب في أذهان بعض الناس من بقايا ثقافة النظام الشمولي السابق، المتسمة بالثقافة التوفيقية المضطربة الجذور، والملتهبة بالعواطف الثورية غير المنطقية ، وقد جاءت هذه الثقافة في مرحلة التحولات الثورية العنيفة التي شهدها الشطر الجنوبي سابقاً، والتي كانت ترفع شعارات ثورية تستعدي الناس بعضهم ضد بعض ، على نحو ( بالعنف لولا العنف ما ذاب الجليد، بالعنف لولا النار ما انصهر الحديد ) وقد طرح السياسيون الثوريون في تلك المرحلة قناعاتهم ورؤاهم الفكرية على الناس في ظل الحماس الثوري الذي كان يرى أن ( لا صوت يعلو فوق صوت الحزب ) فصفق الناس لهم، ورددوا أطروحاتهم دون وعي ، ولكنهم سرعان ما تنكروا لها ، ففقد السياسيون الثوريون وقتها مصداقيتهم ، فانفض الناس من حولهم، فما كان منهم إلا أن يلبسوا ثوب الثقافة التقدمية التي أوهموا الناس من خلال الترويج لها أنها كفيلة بتحقيق التغيير المطلوب، وأخذت هذه الثقافة طريقها إلى وجدان بعض الفئات الصاعدة في المجتمع ، وحققت فعلها التغييري في الثقافة الوطنية اليمنية، لأنها كانت ترفع شعار ( لنناضل من أجل تنفيذ الخطة الخمسية وتحقيق الوحدة اليمنية ) وربما كانت هذه الثقافة قد أسهمت في التصدي للقوى المعيقة للتقدم والوحدة ، ولكنها فشلت في الوقت نفسه في التصدي لثقافة الكراهية الناجمة عن معركة الصراع الطبقي التي اتخذتها الثورة وقتها وسيلة لإزاحة الخصوم السياسيين، ولم يدرك السياسيون وقتها خطورة ما كانوا يطرحونه من أفكار ثورية غير منطقية ، في حين كان ينبغي أن يكونوا أكثر الناس إدراكاً لمدى المخاطر والمصاعب التي تواجه المجتمع اليمني من جراء الاندفاع الثوري غير الواعي، سواء ما يتعلق بتقدم البلاد أو وحدة الوطن، أو بما يتعلق بتحقيق رفاهية المواطن واستقراره ، أو في ما يتعلق بتطوير الاقتصاد واستغلال الموارد على نحو أفضل. والمتأمل في الثقافة التي كانت سائدة في ظل النظام الشمولي يجد أنها كفرت بالقديم ثم لم تجد جديداً نافعاً تؤمن به، فكانت تنظر إلى الثقافة العربية الإسلامية على أنها ثقافة رجعية سلفية تمجد التراث وتدعو إلى العودة إلى الماضي، بما يعني أن ثقافة النظام الشمولي كانت ثقافة رافضة للتراث العربي الإسلامي بكل ما يكنزه من قيم ومثل عليا. وفي إطار الثقافة التي روجوا لها برزت ثقافة الكراهية واتسع نطاقها، فأحدثت انقساماً في المجتمع، ونجم عن ذلك عدة حروب أهلية ذهب ضحيتها عدد غير قليل من خيرة الرجال ، ولاتزال آثار تلك الثقافة باقية حتى الآن، والمتمثلة في شعور بعض الناس بالعداء ضد بعضهم بسبب أو بدونه ، والناجمة عن سيطرة نزعة الـ ( أنا ) الشيطانية غير المتسامحة لدى بعض الناس، وعندما تسيطر نزعة الـ ( أنا ) الشيطانية على صاحبها فإنها تقول له (بدافع من الشيطان ): - لا تسامح فلاناً فإنه قد آذاك وانتزع حقك وحل محلك فهو لذلك يستحق غضبك ، فلا تشعر بالحب إزاءه ، بل إنه يستحق معاداتك له. - لا تكن أحمق فإنك إن سامحت فلاناً فإنه سيكرر ما فعله فيك في الماضي، فإذا كان قد آذاك مرة ، فإنه سيؤذيك مرات ومرات ، فلا تسامحه. - إذا سامحت هذا الشخص فإنك قد وافقته على ما فعله فيك في الماضي، وبالتالي فأنت تقلل من شأن نفسك ، وترفع من شأنه، فلا تسامحه، لأنك إن سامحته تحكم فيك. - عندما لا تتسامح فإنك تحافظ على بقاء المسافة شاسعة بينك وبين من آذاك ، أما إن سامحته فإنك تقلص هذه المسافة، فالأفضل ألا تسامحه. - إن تسامحك مع من آذاك يعد غباء منك، فأبق حالة العداء بينك وبينه، حتى تنال ثأرك منه.إن هذه الأفكار والهواجس الشيطانية، النابعة من روح الـ ( أنا ) غير المتسامحة روجت لها ثقافة الكراهية في بلادنا لسنوات وعادت الآن لتطل برأسها لتعصف بالمجتمع عصفاً، وتشقه شقاً وليس هناك من سبيل للحفاظ على تماسك المجتمع والحفاظ على وحدته وأمنه واستقراره سوى نشر ثقافة المحبة، وبث روح التسامح في أوساط المجتمع، وبذل كل الجهود لمحاصرة ثقافة الكراهية، بل ومحاربتها واجتثاثها من المجتمع، وهذه هي مسؤولية كل مثقف في المرحلة الراهنة، ولا يجوز التخلي عنها بأي حال من الأحوال، لنعمل معاً على الترويج لثقافة التسامح والمحبة، ونبذ ثقافة الكراهية، وقدوتنا في ذلك الإمام الشافعي - رحمه الله - القائل: [c1]لما عفوت ولم أحقد على أحد أرحت نفسي من هم العداوات إني أحيي عدوي عند رؤيتهلأدفع الشر عني بالتحيات وأظهر البِشر للأعداء إن جنحواللسلم دوماً ولا أخشى الملامات أما المريض بداء الحقد أنبذهولا أعامله بالمثل إن يأتي [/c][c1]* خطيب جامع الهاشمي - الشيخ عثمان[/c]
