منذ حرب 1994 في اليمن، لم يكن إغلاق “أبو الوادي” حدثاً عابراً، بل إعلاناً غير مكتوب بأن الفضاء العام يمكن مصادرته متى ما قررت السلطة ذلك. المكان الذي كان يحتضن العائلات، ويجمع أبناء عدن على اختلافهم، تحوّل إلى نطاق محظور، وكأن الفرح نفسه أصبح خطراً أمنياً.
ثم جاءت مرحلة ما بعد الحرب في اليمن 2015، ولم يتغير جوهر المعادلة، بل تغيرت أدواتها فقط. جولدمور، ذلك الامتداد الطبيعي الذي كان الناس يتنقلون فيه بحرية، صعدوا جباله، وسهروا في وديانه، أصبح فجأة مساحة مراقبة، تُقاس فيها نوايا الداخلين قبل خطواتهم، وتُفتَّش فيها الهويات قبل الوجوه.
المشكلة لم تكن في النقاط العسكرية بحد ذاتها، بل في الفكرة التي تقف خلفها: أن المواطن مشروع متهم، حتى يثبت العكس. لكن ما يحدث اليوم في جولدمور يستحق التوقف.
تراجع القبضة، اختفاء كثير من النقاط، وعودة الناس دون ذلك الشعور الثقيل بالملاحقة… كل ذلك ليس تفصيلاً أمنياً، بل تحوّل في المزاج العام. عدن، ببساطة، بدأت تتنفس.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: إذا كان جولدمور قد عاد… فلماذا لا يعود أبو الوادي؟
الإجابة ليست تقنية، ولا أمنية، بل سياسية بامتياز. لأن فتح أبو الوادي يعني الاعتراف بحق الناس في مدينتهم، لا منحهم إذناً مؤقتاً بالتواجد فيها. يعني الانتقال من عقلية السيطرة إلى عقلية الشراكة، ومن إدارة الخوف إلى إدارة الحياة.
عدن لا تحتاج المزيد من الحواجز.. عدن تحتاج مساحات. تحتاج أماكن يرى فيها الطفل البحر دون أن يمر عبر نقطة تفتيش، وتجلس فيها العائلة دون أن تُسأل عن “أصلها وفصلها”، ويغني فيها الشباب دون أن يُنظر إليهم كتهديد.
المفارقة المؤلمة أن هذه المدينة التي عُرفت تاريخياً بأنها واحدة من أكثر المدن انفتاحاً في المنطقة، أُعيد تشكيلها خلال العقود الماضية لتبدو وكأنها مدينة مغلقة على نفسها، تخشى أبناءها بقدر ما تخشى الغرباء.
فتح أبو الوادي اليوم لن يكون مجرد قرار إداري، بل رسالة سياسية وأخلاقية تقول:
إن عدن ليست ثكنة، بل مدينة. وأن أهلها ليسوا موضوعاً للرقابة، بل أصحاب حق.
إن استمرار الانفراج في جولدمور يجب أن يتحول إلى سياسة، لا حالة مؤقتة. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تعود المدينة إلى دائرة التضييق بعد أن تذوقت طعم الحرية من جديد.
الرأي العام اليوم أمام لحظة مهمة: إما أن يمر هذا التحول بهدوء دون أن يُستثمر، أو أن يتحول إلى مطلب واضح: إعادة كل متنفسات عدن إلى أهلها.
أبو الوادي ليس مجرد مكان، إنه اختبار. اختبار لصدق التحول، ولنية السلطة، ولقدرة المجتمع على الدفاع عن حقه في الحياة.
وعندما يُفتح أبو الوادي من جديد، لن يكون ذلك انتصاراً لموقع جغرافي، بل انتصار لفكرة بسيطة جداً: أن المدن خُلقت لتُعاش، لا لتُحرس.
