صحيفة 14 أكتوبر ترصد مواكب الخلود لأبطال سطروا بدمائهم الزكية أروع المآثر





عدن / 14 أكتوبر/ خاص:
لقاءات / كاميليا الدغاري :
عاثت في الأرض فساداً، صبت جام غضبها وأطلقت الرصاص والقذائف على كل ما هو حي على وجه الأرض. دمرت المباني والمنازل، ولم تميز رصاصات الغدر بين الطفل والكهل والمرأة، لتخترق وتمزق أجسادهم. فمنهم من تركت لهم ندوباً وآلاماً تدوم، ومنهم من أخذت منهم الحياة ليفارقوا أهلهم، تاركين أوجاعاً ومآسي لذكرهم الذي لا يغيب.
من هنا مرت مليشيا الحوثي الإرهابية غازية لأرض الجنوب، ففي شهر مارس من العام 2015م، من كل عام يوم عزيز وغال عند أبناء شعبنا. في هذا العام انطلقت مآذن المساجد بنداءات التكبيرات داعية إلى الجهاد لمواجهة مليشيا الحوثي. حينها انطلق المجاهدون، صغيرهم وكبيرهم، نساؤهم وكهولهم، ليشكلوا الانتفاضة الشعبية الكبرى دفاعاً عن الدين والعرض والوطن.
قصة (حامل القرآن شهيد الوطن )
تحدث إلي محمد أنور ابن خال الشهيد، وصوته يختنق بين الكلمات، ليروي لي تفاصيل استشهاده؛ كيف خرج في ذلك الصباح وكأنه كان يعلم أن الطريق الذي اختاره لن يقوده إلا إلى المجد. لم يتراجع ولم يحن رأسه، بل ظل يقاتل حتى استشهد .
لم يكن بطل قصتنا رجلاً عاديا بل كان قلبا نابضا بالإيمان ولسانا ناطقاً وحافظا لكتاب الله ، بطل قصتنا الخالد في ذكره لم يكن فارسا يمتطي حصاناً بل كان يتصف بالأخلاق والقيم النبيلة شهيدنا البطل خالد رشاد ناصر من مواليد ١٩٨٩ م عرفه الصغير والكبير كان محبا للناس عاملاً للخير وحافظا لكتاب الله، فقد تعلق قلبه بالمساجد وأعمال البر والإحسان.
وعند اجتياح مليشيا الحوثي مدينة عدن لم يتردد الشهيد البطل حينها في تلبية نداء الوطن ، استجاب لنداء عدن وكان حينها في الصفوف الأولى غير ملتفت للخوف فقد كان شجاعا مقداما .
وفي الرابع عشر من يونيو في العام ٢٠١٥م اشتدت المعارك وعلا ضجيج الانفجارات حينها اخترقت شظايا غادرة رأسه فسقط جسده وكانت الدماء تسيل على جبينه حينئذ هرع زملاؤه المجاهدون لاسعافه إلى المستشفى ، وبعد تلقيه العلاج نصحه الأطباء بالراحة التامة وعدم العودة إلى المعارك مؤكدين أن حالته الصحية تحتاج إلى وقت للتعافي إلا أن قوة إيمانه وعزيمته كانت أقوى من أوجاع إصابته ، فعاد إلى أرض المعارك غير مبالٍ بإصابته البالغة ولا بغدر العدو المتربص بهم.
في السادس من يوليو ٢٠١٥م جاءه خبر الهجوم الذي استهدف معسكر اللواء ٣ مدرع ولم يتردد في الواجب ، ليخرج مسرعا من منزله متوكلا على الله مرفوع الرأس وهو على يقين بأن درب التضحيات مليء بالمخاطر غير أنه لم يتهاون في مواصلة الدرب الذي لا يسلكه إلا الأوفياء لأوطانهم .
وفي ميادين الشرف ارتقت روحه الطاهرة إلى جوار ربها وهو يؤدي واجبه ليسطر اسمه في ذاكرة عدن ضمن قوافل الأبطال الذين ارتوت الأرض بدمائهم العطرة.
شهيد حافون
تحدثت إلينا أخت الشهيد ياسر بصوت يختلط فيه الفخر والألم، لتروي تفاصيل اللحظات الأخيرة في حياة أخيها، تلك اللحظات التي صنعت حكاية بطل تناقل الناس بطولته الخالدة التي سطرها بدمه الطاهر الذي روى ثرى الوطن..قائلة : عندما اقتحمت مليشيا الحوثي المعلا أسرع الشهيد ياسر سالم عبدالله علي للجهاد فورا لحماية وطنه .
فقيدي وفقيد الوطن ولد في 8/ 6/ 1972، كان متزوجا وابا لولد وثلاث بنات ، نشأ على قيم الجد والاجتهاد. درس في ثانوية مأرب ومحيرز، ثم واصل تعليمه فنال دبلوم إدارة أعمال لمدة ثلاث سنوات، كما درس كفاءة اللغة الإنجليزية في كلية التربية – محافظة عدن. كان مؤمنا بأهمية العلم، عمل في مطابع الكتاب المدرسي التابعة للتربية، وكان مثالا للموظف المجتهد، يؤدي عمله بإخلاص ويحرص على أن يكون عنصرا نافعا في مجتمعه.
وفي يوم السبت 4/ 4/ 2015م في الساعة الحادية عشرة ومن ميادين المواجهة، أصابته رصاصة قناص غادرة. حاول رفاقه سحبه من موقع الاشتباك، رغم كثافة الرصاص المنهمر عليهم، لكنه رفض بشجاعة وقال لهم إن إصابته قاتلة في الرقبة، وأمرهم بالانسحاب، ليقوم بحمايتهم أثناء خروجهم. بقي ثابتا في موقعه، يطلق الرصاص دفاعا عن رفاقه حتى فارقت روحه الحياة.
رحل جسده، لكن موقفه ظل شاهدا على شجاعته فقد اختار أن يكون درعا واقيا لغيره فخلد اسمه في سجل قوافل الشهداء الأوفياء لأوطانهم .

- تضحيات الشهداء والجرحى ستظل خالدة فالحرية لا تمنح بل تنتزع بثبات الرجال
- بين غرفة العلاج وذاكرة الميدان.. جرحى النصر حين يصبح الألم وساما

معاناة جريح حرب ٢٠١٥
على ذلك الكرسي المتحرك، يجلس البطل الذي صال في ميادين الشرف، ضحى بنفسه دفاعا عن أرض عدن. اقتربت منه لأستمع إلى قصته، فأحسست بثقل التجربة التي حملها، ومدى الألم والصمود على ذلك.
تحدث إلي بصوت هادئ، ووجهه ترتسم فيه ملامح الحزن العميق، نتيجة ما لحقه من إهمال وتهميش طال عمره البطولي. سأروي لكم ما حدث وكشفه لي بنفسه.
في الشارع الرئيسي بحي مدرم، مديرية المعلا، في عدن، ولد محمد نجيب عبده محمد.
شاب في الرابعة والثلاثين من عمره، أعزب، خريج كلية الآداب تخصص علاقات عامة، ويعمل في وزارة الدفاع. يتقاضى راتبا قدره ٥٨ الف ريال كان يحلم بمستقبل بسيط… وظيفة مستقرة، وحياة هادئة .. لكن الحرب جاءت بما لا تشتهي الأحلام.
حين بدأ الحوثي يزحف نحو جبل حديد، لم يكن محمد من الذين يكتفون بالمشاهدة فقط . بل وصف شعوره بأنه كان يقشعر بدنه عند سماع مكبرات الصوت في المساجد وهي تكبر .. حي على الجهاد… وكان أحد الملبين.
فلم يكن النداء مجرد كلمات، بل كان دعوة لصون الدين والوطن من الغازي المعتدي. حمل سلاحه وخرج، وهو يدرك أن المدينة التي أحبها تستحق أن يقدم حياته من أجلها.
من المعلا إلى البريقة… رحلة النار
قاتل في المعلا حتى سقطت المديرية، ثم نزح إلى البريقة، عبر البحر وعاد ليحمل السلاح من جديد. تنقل بين الجبهات، من صلاح الدين إلى أطراف المدينة، حتى جاءت لحظة الدخول الكبير ضمن عملية السهم الذهبي.
في يوم التحرير، كان محمد على متن عربة إماراتية مدرعة من نوع («أوشكوش»)، ممسكا بسلاحه الثقيل (دوشكا)، يتقدم نحو منطقة حجيف، عند مدخل وزارة الثروة السمكية. كانت تلك اللحظة هي الفاصلة التي غيرت حياته،
أصابته رصاصتان الأولى من سلاح كلاشنكوف في يده اليسرى.
لكن الطلقة الثانية كانت أشد قسوة… عيار 12.7 دخلت من تحت ابطه الأيسر عند الأضلاع، وخرجت من ظهره الأيمن.
سقط محمد ودماؤه تنهمر بغزارة لتروي تراب عدن ، اسرع زملاؤه المجاهدون لاسعافه للمستشفى. وما أن أفاق وجد نفسه أمام حقيقة ثقيلة: شلل جزئي من الخصر حتى القدمين.
قال له الأطباء إن إصابته بالغة وسيبقى طريح الفراش ويتوجب علاجه في الخارج لوجود الإمكانيات هناك.
كانت الكلمات أشد ألماً من الرصاص.
ما بعد الحرب.. معركة من نوع آخر
انتهت الحرب وتحررت عدن. لكن محمد دخل حربا أخرى.. حرب الإهمال، الانتظار الطويل.. والمعاناة التي لا نهاية لها.
بحث عن عمل يبعده عن الجلوس في البيت، ولكنه تفاجأ بأن الأبواب التي طرقها قد أغلقت في وجهه لأن جسمه وصحته لم تعد كما كانت ، فقد كان باحثا عن فرصة تنسيه الجمود الذي يلازمه بكرسيه المتحرك و إعاقته الدائمة .
فقد مرت أحد عشر عاما وملف العلاج في ألمانيا ما يزال ينتظر توقيعا أو قرارا.
أحد عشر عاما من الألم الصامت.
رساله الجريح محمد نجيب ليست صرخة بل حق مشروع.
مناشدة الجريح
يقول الجريح البطل محمد يتوجب على الدولة والجهات المعنية إنصاف جرحى حرب 2015 وجعل هذا الملف ضمن الأولويات واستكمال علاج الجرحى ممن يستدعي علاجهم بالخارج واعطاؤهم راتبا بما يساوي ما يتقاضونه في الألوية الأخرى. وعدم تجاهل معاناة آلامهم وتهميش حقوقهم.
لم يقدم محمد لعدن كلمات، بل قدم جسده فداء لها ..فهل مقابل هذا النكران أن تتجاهلوا جراحه وآلامه المستمرة .. هل ستردون الجميل له بقدر يليق بحجم التضحية التي قدمها ؟؟
الخاتمة
تلبية لنداء الله الخالد في قوله تعالى :( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وانفسكم في سبيل الله..) تكونت مجموعات كبيرة من المجاهدين والتحمت القلوب وتشابكت الأكف وعلت الاصوات تحت راية واحدة وهدف واحد ، فقد كانت التضحيات جسيمة بحجم الوطن الذي أُريدَ له أن يختطف، فامتزجت دماء الأبطال بتراب الجنوب دفاعا عن الكرامة والهوية والحق في الحياة الآمنة. لم يكن تطهير الأرض من مليشيا الحوثي مجرد معركة عسكرية، بل كانت ملحمة صمود سطرها أبناء الجنوب بإرادة لا تلين، قدموا فيها أرواحهم رخيصة في سبيل أن تبقى أرضهم حرة عصية على الانكسار. تلك التضحيات ستظل خالدة على أن الأوطان تصان بالتضحية، وأن الحرية لا تمنح بل تنتزع بثبات الرجال.
وبتلك التضحيات البطولية نلنا النصر الأكبر ، فمهما اطلنا الحديث عنهم فإن الكتابة لن تعطي الا القليل في حق هؤلاء الأبطال الذين نالوا شرف الشهادة واضاءوا مسيرة الجهاد أمام الأجيال بقوة إيمانهم وشجاعتهم.
