اليوم يتحدث البعض عن أن كهرباءعدن تعيش حالة من الاستقرار بعد وصول منحة الوقود، لكن المواطن الذي يلامس الواقع يوميًا يطرح سؤالًا بسيطًا: أي استقرار هذا الذي نتحدث عنه؟ هل أصبح من الطبيعي أن نعتبر برنامج انقطاع يستمر سبع أو ثماني ساعات، يقابله تشغيل لساعتين فقط، حالة من الاستقرار تستحق الإشادة؟
إذا كان هذا هو معيار الاستقرار، فإنه معيار مؤلم يعكس حجم التراجع الذي وصلنا إليه. فالاستقرار الحقيقي لا يعني أن تستقر ساعات الانطفاء الطويلة، وإنما أن تستقر الخدمة نفسها، وأن يحصل المواطن على الكهرباء بصورة منتظمة وآمنة، بعيدًا عن المعاناة اليومية التي أصبحت جزءًا من تفاصيل حياته.
أي استقرار نتحدث عنه، ونحن ننتظر ساعات طويلة تحت حرارة الصيف الخانقة حتى يعود التيار الكهربائي؟ ثم ما إن يعود حتى تبدأ المخاوف من جديد، إذ قد ينقطع بعد دقائق بسبب انفجار كابل لم يتحمل الأحمال، أو احتراق محول نتيجة الربط العشوائي وغير المدروس، أو تعطل أحد الفيوزات بسبب تهالك الشبكة وعدم صيانتها بالشكل المطلوب.
وأي استقرار هذا الذي يجعل المواطن يعيش على أعصابه؟ ينتظر ساعات طويلة حتى تضيء منزله لساعتين فقط، ثم يفاجأ بعطل جديد يلتهم الوقت القليل المخصص للتشغيل، ليعود مجددًا إلى دائرة الانتظار، وكأن الزمن توقف عند معاناة لا تنتهي.
فالساعتان اللتان كان من المفترض أن تخففا شيئًا من أعباء الحياة، تضيعان في إصلاح عطل أو انفجار فيوز، ليجد المواطن نفسه أمام دورة جديدة من الانقطاع تمتد لسبع أو ثماني ساعات أخرى.
إن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بتوفير الوقود أو المنح، بل أصبحت تعكس غياب رؤية واضحة لإدارة هذا القطاع الحيوي. فالكهرباء ليست خدمة كمالية يمكن تأجيلها أو التعامل معها بردود الأفعال، وإنما هي خدمة استراتيجية ترتبط بالمستشفيات والمدارس والجامعات والمصانع والأسواق، بل ترتبط بكل تفاصيل الحياة اليومية للمواطن.
ومن المؤسف أن تظل الحلول المؤقتة هي الخيار الدائم، بينما تتآكل الشبكة الكهربائية عامًا بعد آخر، وتزداد الأحمال، وتتكرر الأعطال، دون وجود خطة حقيقية لتحديث البنية التحتية أو معالجة الاختلالات الفنية التي أصبحت سببًا رئيسيًا في استمرار الأزمة.
إن المواطن لا يطالب بالمستحيل، ولا ينتظر معجزات، وإنما يريد خدمة مستقرة بمعناها الحقيقي، خدمة تحفظ كرامته وتخفف معاناته، وتمنحه القدرة على ممارسة حياته بصورة طبيعية. فالنجاح لا يقاس بعدد ساعات الانطفاء التي استقرت عند رقم معين، وإنما يقاس بقدرة الجهات المعنية على تقليص تلك الساعات، وتحسين جودة الخدمة، وبناء شبكة كهربائية قادرة على تلبية احتياجات الناس.
وما دام التعامل مع هذا الملف يتم دون رؤية استراتيجية واضحة، ودون استثمارات حقيقية في البنية التحتية، فإننا سنظل نضيف سنوات جديدة إلى سنوات الانتظار الماضية، وسنظل نسمع كثيرًا عن “الاستقرار”، بينما تبقى المعاناة هي الحقيقة الوحيدة المستقرة في حياة المواطنين.
