منذ نحو عام بدأت إجراءات استعادة قيمة العملة الوطنية، وارتفعت الآمال بأن تكون تلك الخطوة بداية لانفراج اقتصادي طال انتظاره، وكان المنطق يقول إن تحسن سعر الصرف سيقود تلقائيًا إلى انخفاض أسعار السلع المستوردة والمنتجة محليا، وأن الأسواق ستعيد التوازن بين كلفة الاستيراد والإنتاج وسعر البيع. لكن ما حدث أثبت أن السوق لا يستجيب للمنطق وحده، وإنما لمن يمتلك أدوات التأثير فيه.
لقد نجحت السياسة النقدية (إلى حد ما) في تحسين قيمة العملة، لكنها لم تجد من يحمي نتائجها على الأرض، وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، فالدولة التي استطاعت التأثير في سوق الصرف عجزت عن التأثير في سوق السلع، فبقي القرار أسير الأوراق، بينما بقي المواطن أسير الغلاء.
أما التجار، فقد وجدوا دائمًا ما يبرر استمرار الأسعار المرتفعة؛ مرة بحجة أن البضائع اشتريت وفق سعر الصرف السابق، ومرة بسبب ارتفاع أسعار الوقود، وأخرى بسبب تعديل قيمة الدولار الجمركي. وبين هذه المبررات، ضاعت الحقيقة الأهم، وهي أن الأسعار لم تنخفض بما يتناسب مع التحسن الكبير الذي شهدته العملة الوطنية، والذي قارب نصف قيمتها السابقة أمام العملات الأجنبية.
والنتيجة كانت واضحة؛ لم يشعر المواطن بثمار استقرار سعر الصرف، بل وجد نفسه بعد أشهر قليلة أمام موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، وكأن ما تحقق في سوق النقد لم يكن سوى هدنة قصيرة، سرعان ما ابتلعتها الأسواق.
إن التجربة خلال العام الماضي أثبتت أن السياسة النقدية وحدها لا تصنع استقرارًا اقتصاديًا، فلا قيمة لعملة قوية في سوق منفلت، ولا جدوى من استقرار سعر الصرف إذا بقيت الأسعار خاضعة للاحتكار والمضاربة وغياب الرقابة. فالاقتصاد منظومة مترابطة، وإذا غابت إحدى حلقاتها ضاع أثر بقية الحلقات.
اليوم، وبعد مرور عام تقريبًا، لا يحتاج المواطن إلى تصريحات جديدة عن استقرار العملة، بقدر ما يحتاج إلى خفض واستقرار أسعار الغذاء والدواء والخدمات، ويحتاج قبل ذلك إلى دولة تمتلك من أدوات الرقابة ما يجعل كل تحسن في المؤشرات الاقتصادية ينعكس مباشرة على معيشته، لا أن يبقى مجرد خبر اقتصادي يتداوله المختصون، بينما يظل الغلاء جاثمًا على صدور الناس.
فالنجاح الحقيقي لأي قرار اقتصادي لا يُقاس بإعلانات أسعار الصرف على شاشات محلات الصرافة والبنوك، وإنما بما يشعر به المواطن وهو يقف أمام بائع المواد الغذائية. هناك فقط... يُحكم على نجاح القرار أو فشله.
