من البديهي أن البشر يخطئون، وأن الكيانات السياسية ليست سوى نتاج بشري يخضع للصواب والخطأ. لكن الإشكالية لا تكمن في وجود الخطأ، بل في إنكارِه، أو الأسوأ من ذلك: حمايته. حين يتحول الكيان أو الزعيم إلى مساحة مغلقة لا تُمس، نكون قد انتقلنا من السياسة كفن إدارة مصالح عامة، إلى حالة من التقديس السياسي التي تقتل أي فرصة للتصحيح.
الدول لا تُبنى بالولاءات العمياء، ولا تستقيم بمنطق “إما معنا أو ضدنا”. بل تُبنى بثقافة المراجعة، والقدرة على الاعتراف بالخطأ، وإرادة التغيير. هذه ليست شعارات مثالية، بل شروط أساسية لأي مشروع وطني قابل للحياة.
ما نشهده اليوم، بكل أسف، هو انخراط قطاع واسع من النخب السياسية والإعلامية في مسار التعصب، حيث يتم الدفاع عن الأشخاص والكيانات لا عن المبادئ، ويتم تبرير الإخفاقات بدل تفكيكها ومعالجتها. في مثل هذا المناخ، تصبح الحقيقة ضحية، ويغيب التقييم، ويتحول الخطأ إلى نهج مستمر.
إن أخطر ما في هذه الحالة ليس الفشل ذاته، بل القدرة على التعايش معه، بل وتبريره. فحين يفقد المجتمع حسّ النقد، ويُختزل الوعي العام في اصطفافات ضيقة، تصبح أي محاولة للإصلاح وكأنها خروج عن الصف، لا ضرورة وطنية.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل نحن أمام بشر يديرون شأنًا عامًا قابلًا للتطوير، أم أمام أدوات تُعيد إنتاج نفس الأنماط دون مراجعة؟ الإجابة، في كثير من الأحيان، لا تبعث على التفاؤل.
إن بناء دولة حقيقية يتطلب كسر هذه الحلقة المغلقة، يتطلب فصلًا واضحًا بين الكيانات ومشروعية بقائها، وبين أدائها الفعلي القابل للتقييم. لا أحد يمتلك تفويضًا دائمًا، ولا كيان محصن ضد الخطأ. الشرعية الحقيقية تُستمد من القدرة على التصحيح، لا من تراكم الأخطاء.
نحن بحاجة إلى إعادة تعريف الولاء، ليكون للوطن لا للأشخاص. وإلى ترسيخ ثقافة تعتبر النقد مسؤولية، لا خيانة. وإلى مؤسسات قادرة على التقييم والمحاسبة، لا مجرد أطر شكلية تُستخدم لتكريس الواقع القائم.
بدون ذلك، سنظل ندور في نفس الدائرة: إخفاق يتكرر، وتبرير يتجدد، وفرص تضيع.
وفي النهاية، لا يمكن لعقليات ترفض التغيير والتجديد أن تبني دولة، ولا لكيانات تخشى النقد أن تقود مجتمعًا نحو المستقبل. الطريق إلى الدولة يبدأ من هنا: من الاعتراف بأن المراجعة ليست ضعفًا، بل شرط للبقاء.
