لقد كان الإعلام الرسمي في زمن ما جزءا من بناء الشخصية الوطنية، لا مجرد نشرات باهتة أو مساحات فارغة من الروح. كان يصنع المزاج العام، ويحمل الذاكرة، ويمنح الناس شعورا بأن هناك وطنا يتكلم بلسانهم، ويحرس وجدانهم، ويُعبّر عنهم.
أما اليوم، فقد تفككت الهوية الإعلامية بفعل ما حدث ويحدث، وتراجع الدور الوطني للإعلام، حتى غابت الرسالة، وضاعت الملامح، وحلّ التشتت محل المشروع، والضجيج محل المعنى.
نحن لا نريد إعلاما رسميا ميتا، ولا أبواقًا جوفاء، ولا نشرات لا تُشبه الناس.
نريد إعلاما يُحيي الوعي، ويُرمم الذاكرة، ويستعيد الأغنية الوطنية، والبرنامج الهادف، والكلمة المسؤولة، والصورة التي تصنع الانتماء لا الاغتراب.
نريد إذاعةً توقظ فينا الحنين والفخر، وتلفزيونا يُعيد للبيت حضوره الوطني، وصحافةً تُدافع عن الوعي، وتحمي المجتمع من التمييع والتفكيك والضياع.
فالأوطان لا تُحمى بالسلاح وحده، بل تُحمى أيضا بالكلمة، واللحن، والصورة، والوعي.
ومن يفرّط في إعلامه الوطني، يفرّط في روحه الجمعية، وفي ذاكرته، وفي مستقبله.
أعيدوا للإعلام الرسمي روحه الوطنية… فالمجتمع المتعب يحتاج كل صباح إلى جرعة وطن، لا إلى مزيد من الفراغ.
