هل تنتصر الدولة أم المحاصصة؟
لم تكن عدن يومًا مجرد مدينة عادية في الجغرافيا اليمنية، ولا مجرد عاصمة إدارية عابرة يمكن التعامل معها بمنطق اقتسام النفوذ وتقاسم الغنائم. فهذه المدينة التي شكّلت عبر عقود طويلة بوابة اليمن إلى العالم، ومركزه التجاري والبحري والثقافي الأبرز، كانت دائمًا مشروع دولة قبل أن تكون مجرد محافظة، وحاضنة وطنية مفتوحة احتضنت الجميع دون تمييز مناطقي أو قبلي أو حزبي.
غير أن ما تعيشه عدن اليوم يطرح سؤالًا بالغ المرارة: هل ما يزال لأبناء عدن حق طبيعي في إدارة مدينتهم والمساهمة في رسم مستقبلها، أم أن منطق المحاصصة الحزبية والمناطقية قد انتصر على مفهوم الدولة والكفاءة والاستحقاق؟
عدن مدينة دولة لا غنيمة نفوذ
لقد تحولت عدن، للأسف، خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة مفتوحة لتقاسم النفوذ بين القوى السياسية والمناطقية، حتى بدا وكأن المدينة تُدار باعتبارها “جائزة سياسية” لا عاصمة يفترض أن تكون نموذجًا للدولة الحديثة. وفي ظل هذا الواقع، لم يعد معيار الكفاءة والخبرة والنزاهة هو الأساس في اختيار القيادات، بل أصبحت الولاءات الضيقة والتوازنات المؤقتة هي الحاكمة، ولو كان الثمن انهيار الخدمات وتعميق معاناة الناس.
والنتيجة أمام الجميع: كهرباء منهارة، مياه متعثرة، طرقات متهالكة، تعليم متراجع، قطاع صحي مثقل بالعجز، وتآكل مستمر في الأمن والاستقرار. أما المواطن العدني، الذي كان يفترض أن يكون أول المستفيدين من استعادة الدولة، فقد وجد نفسه في قلب أزمة معيشية وخدمية خانقة، فيما تنشغل القوى المتصارعة بإعادة توزيع النفوذ والمواقع.
هل يطالب أبناء عدن بالاحتكار؟
القضية هنا لا ينبغي اختزالها في بعد مناطقي ضيق أو في دعوة للإقصاء المضاد. فعدن، بحكم تاريخها وهويتها، ليست مدينة مغلقة على أبنائها وحدهم، ولم تكن يومًا كذلك. بل إن سر عظمتها التاريخية كان دائمًا في قدرتها على استيعاب الجميع ضمن إطار دولة ومؤسسات وقانون.
ولذلك فإن الحديث عن أولوية أبناء عدن في إدارة مدينتهم لا ينبغي فهمه باعتباره دعوة للانعزال أو الاحتكار، بل باعتباره دفاعًا عن مبدأ طبيعي معمول به في كل مدن العالم: أن تكون الأولوية للكفاءة المرتبطة بالمعرفة الحقيقية بالمدينة واحتياجاتها ومجتمعها وتحدياتها.
فابن عدن الذي يعيش يوميًا أزمات الكهرباء والمياه والبطالة والانهيار الخدمي، والذي يرى تراجع مدينته التاريخية أمام عينيه، يمتلك دافعًا مباشرًا لإنقاذها، لأن نجاح عدن من نجاحه الشخصي والوطني.
من إدارة الأزمة إلى مشروع النهوض
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في إقصاء الكفاءات العدنية، بل في استمرار تحويل عدن إلى مدينة بلا مشروع استراتيجي واضح، رغم أنها تمتلك كل المقومات لتكون مركزًا اقتصاديًا وماليًا ولوجستيًا دوليًا في المنطقة.
فميناء عدن، الذي كان يومًا من أهم موانئ العالم وأكثرها نشاطًا، لا يزال يمتلك موقعًا استثنائيًا على خطوط الملاحة الدولية، لكنه يحتاج إلى رؤية شاملة تعيد تأهيله وتطويره وربطه بمنظومة حديثة تشمل المنطقة الحرة والحوض العائم والجاف والخدمات اللوجستية المتكاملة.
وكذلك الحال بالنسبة لمطار عدن الدولي، الذي يفترض أن يستعيد مكانته التاريخية كمركز عبور إقليمي يربط الجزيرة العربية بشرق إفريقيا وآسيا، لا أن يبقى رهينة التراجع والإهمال.
أما مصفاة عدن، فهي ليست مجرد منشأة نفطية متعثرة، بل ركيزة اقتصادية وسيادية كان يمكن أن تشكل جزءًا من منظومة تكاملية تربط بين الطاقة والميناء والخدمات البحرية والصناعات المرتبطة بها. وإعادة تأهيلها وتحديثها ليس ترفًا اقتصاديًا، بل ضرورة استراتيجية لاستعادة جزء من الدور الاقتصادي المفقود للمدينة.
التعليم.. البنية التحتية المنسية لنهضة عدن
كل هذه المشاريع لن تنجح دون الاستثمار الحقيقي في الإنسان العدني نفسه. فعدن تحتاج إلى مشروع تربوي وتعليمي حديث يعيد بناء المدارس والمعاهد والجامعات على أسس تواكب طبيعة المدينة الكوسموبوليتية ودورها الاقتصادي الدولي.
إن مدينة تطمح لأن تكون مركزًا ماليًا وتجاريًا ولوجستيًا إقليميًا تحتاج إلى كوادر مؤهلة في الإدارة، والموانئ، والطيران، والخدمات البحرية، والتكنولوجيا، والاقتصاد الدولي، لا إلى تعليم منهك وعشوائي عاجز عن مواكبة العصر.
خاتمة: عدن بين عقلية الدولة وعقلية الغنيمة
إن معركة عدن الحقيقية ليست فقط معركة خدمات، بل معركة استعادة فكرة الدولة ذاتها. دولة تُدار بالكفاءة لا بالمحاصصة، وبالرؤية لا بردود الأفعال، وبالمصلحة الوطنية لا بالغنائم الحزبية والمناطقية.
إن إنقاذ عدن يبدأ بإنهاء عقلية “تقاسم المدينة”، والانتقال إلى مفهوم “بناء المدينة”. فالفارق بين الدول الفاشلة والدول الناجحة لا يكمن في حجم الموارد فقط، بل في طبيعة الإدارة والرؤية والقدرة على تحويل الموقع الجغرافي إلى مشروع وطني متكامل.
وفي النهاية، فإن أبناء عدن لا يطالبون بامتيازات استثنائية، بل بحق طبيعي ومشروع: أن تكون مدينتهم نموذجًا للدولة لا ضحية للمحاصصة، وأن يكون معيار القيادة فيها هو الكفاءة والنزاهة والقدرة على البناء، لا الانتماء الضيق أو موازين التقاسم المؤقتة. فعدن أكبر من أن تُدار بعقلية الغنيمة، وأعظم من أن تُختزل في صفقة نفوذ عابرة.
