الحوار، في جوهره ليس تكديس أسماء ولا استعراض حضور، بل مساحة يُفترض أن تتقدّم فيها العقول القادرة على التفكير، والخبرات التي راكمت فهمًا، والرؤى التي تبحث عن حلول حقيقية لمسار الجنوب ومستقبله.
ومن هنا يبرز السؤال الأخطر: هل وُضعت معايير واضحة للمشاركة، تضمن أن يكون الحوار حوار عقول، لا تظاهرة شعبية، وأن يفضي إلى رؤى واستراتيجيات عمل ومخرجات تلبّي آمال الناس؟
في المقابل، يطفو هاجس لا يمكن تجاهله: هل نحن أمام حوار جاد تُصاغ ملامحه بعقول قادرة على التفكير الاستراتيجي؟ أم أن السيناريو كُتب سلفًا، وما هذه اللقاءات إلا تفاصيل أخيرة في مشهد مُعدّ مسبقًا؟ أم أن جوهر هذا التسابق لا يتجاوز المخصصات المالية وبدلات الحضور؟
ولإثبات الجدية، وحماية فكرة الحوار من الابتذال، يمكن طرح معيار بسيط في شكله، عميق في دلالته: أن يوقّع كل مشارك تنازلًا صريحًا عن أي مقابل مالي، وتُوجَّه تلك المبالغ لمشاريع تنموية، ويُكتفى بتغطية الاستضافة والنقل فقط.
حينها سيتراجع الضجيج، وينحسر التدافع، ولن يبقى في المشهد سوى الكفاءات الحقيقية وأصحاب النوايا الجادة.
ما يحدث اليوم، مع الأسف، أن المال بدأ مبكرًا في إفساد الحوار؛ من لقاءات صغيرة، إلى كيانات، إلى بعض الإعلاميين. وهذا مؤشر مقلق، لا يبشّر بمسار حوار يُبنى عليه مستقبل، بل يعيد إنتاج العِلل ذاتها التي أرهقت الناس وأفرغت السياسة من معناها.
الحوار ليس مناسبة، ولا صورة، ولا بدل حضور. الحوار مسؤولية تاريخية، ومن لا يأتي إليه بعقله وضميره، لا فرق بين حضوره وغيابه.
