المشكلة لم تعد في اختلاف الرؤى بحد ذاته، فالاختلاف سمة صحية في المجتمعات الحية، بل في الطريقة التي أُدير بها هذا الاختلاف منذ 2017م. فبدلا من أن تكون تلك المرحلة فرصة لإعادة تقديم القضية الجنوبية بصورتها الأخلاقية والحقوقية، كقضية عدالة وشراكة ومواطنة متساوية، تحولت في نظر شريحة واسعة إلى مرحلة إخفاق سياسي وإداري، لم تُنتج فقط خلافا في الرأي، بل أسهمت في تعميق الشروخ داخل البيت الجنوبي نفسه.
شهد الجنوب خلال هذه السنوات تراجعًا في الخطاب الجامع، وصعودا للهواجس المناطقية، حتى بات لكل محافظة - من عدن وأبين وشبوة وحضرموت والمهرة - قلقها الخاص ومطالبها المنفصلة، وأحيانا رؤيتها المختلفة لمستقبل الجنوب ذاته. وهذا مؤشر خطير، لأن أي مشروع وطني يفقد قدرته على استيعاب التنوع يتحول إلى عامل تفكيك لا توحيد.
في المقابل، يطرح أنصار الدولة الاتحادية تصورا يقوم على إعادة بناء الدولة اليمنية على أسس جديدة: عدالة في توزيع السلطة والثروة، حكم محلي واسع الصلاحيات، مؤسسات فاعلة، ونظام قانون يحمي الجميع. غير أن هذا الطرح يواجه بدوره أزمة ثقة، ناتجة عن تجارب سابقة لم تُنفذ فيها الالتزامات، ما يجعل كثيرين ينظرون إليه بريبة.
إزاء هذا التباين، لم يعد ممكنا الاستمرار في إدارة الخلاف عبر الحشود المتقابلة أو الخطابات التعبوية أو فرض الأمر الواقع. الجنوب بحاجة إلى مقاربة مختلفة، تعالج جذور الانقسام لا مظاهره، وتعيد بناء الثقة بين مكوناته، وتفصل بين التنافس السياسي المشروع وبين تمزيق النسيج الاجتماعي.
الحل الواقعي يبدأ بإطلاق حوار جنوبي-جنوبي شامل وصريح حول الخيارين المطروحين: استعادة الدولة أو الدولة الاتحادية. حوار لا يُدار بمنطق الغلبة، بل بمنطق الشراكة، وبرعاية تضمن الحياد وتوفر بيئة آمنة، مع تسوية حقيقية للملعب السياسي والإعلامي والأمني، حتى لا يكون أي طرف مهيمنًا على أدوات التأثير.
ثم يأتي الاحتكام إلى الإرادة الشعبية عبر استفتاء حر وشفاف ونزيه، يقرر فيه الجنوبيون خيارهم دون إكراه أو تخويف أو فرض بالقوة. فالقرار الذي يُنتج تحت ضغط السلاح أو ضجيج المنابر لن يكون قرارا مستقرا، بينما القرار الذي يولد من صندوق اقتراع حر، هو وحده القادر على إغلاق أبواب الصراع وفتح أفق جديد.
الجنوب اليوم أمام لحظة مراجعة لا لحظة مكابرة. فإما أن يتحول التنوع إلى مصدر غنى، وتتحول الخلافات إلى فرصة لبناء عقد سياسي جديد، وإما أن يستمر الانقسام حتى يستهلك ما تبقى من رصيد اجتماعي وسياسي.
القضايا العادلة لا تسقط، لكن قد تُساء إدارتها. والمسؤولية اليوم ليست في رفع الشعارات، بل في إنتاج حل يليق بتضحيات الناس، ويحفظ كرامتهم، ويصون وحدتهم، أيا كان الخيار الذي يختارونه.
