يجب تحييد المدينة لإنقاذ دورها التجاري والصناعي
عدن ليست مدينة عادية في الجغرافيا أو في التاريخ. موقعها الطبيعي يمنحها ميزة مطلقة على خطوط الملاحة الدولية، ويجعلها نقطة عبور وتبادل تجاري ذات قيمة زمنية ولوجستية عالية. هذه الميزة ليست نظرية، بل هي أساس المكانة التي احتلتها عدن سابقًا كميناء عالمي ومركز تجاري وصناعي نشط. غير أن الجغرافيا وحدها لا تبني نهضة، إذا كانت البيئة السياسية والأمنية طاردة، والإدارة خاضعة للتجاذب، والقرار الاقتصادي أسير الصراع على النفوذ.
التجارب حول العالم تثبت أن المدن ذات المواقع الاستراتيجية لا تنهض بالشعارات، بل بثلاثة شروط واضحة: بيئة استثمارية مستقرة، أمن قانوني ومؤسسي، وإدارة مهنية مستقلة نسبيًا عن صراعات السلطة. هذه الشروط غائبة أو مهزوزة في عدن اليوم، ليس بسبب نقص الإمكانات، بل بسبب تضارب المشاريع السياسية وتحوّل المدينة إلى ساحة تنافس على السيطرة بدل أن تكون منصة للإنتاج.
الصراع على عدن أضعفها اقتصاديًا، وأربك مؤسساتها، وأخاف رأس المال، وشتّت الكفاءات. وكل طرف يعتقد أنه إذا أحكم قبضته على المدينة فقد ربح المعركة، بينما الحقيقة أن المدينة نفسها تخسر في كل جولة شد وجذب. فالمدن لا تزدهر تحت منطق الغلبة، بل تحت منطق الشراكة والاستقرار.
من هنا تبرز فكرة تحييد عدن كخيار عملي لا نظري. تحييدها لا يعني فصلها عن محيطها، ولا إلغاء الانتماءات السياسية، بل يعني الاتفاق على إخراجها من حسابات الصراع المباشر، ومنحها وضعًا إداريًا واقتصاديًا خاصًا، تُدار فيه وفق معايير الكفاءة والشفافية، وتُحمى فيه المؤسسات من التدخلات الفئوية. إدارة مدنية مهنية، وهيئات اقتصادية مستقلة، ونظام أمني مؤسسي، وضمانات قانونية للمستثمرين - هذه ليست ترفًا، بل شروط تشغيل لمدينة مينائية عالمية.
تحييد عدن يمكن أن يحولها إلى منطقة اقتصادية نشطة تدر إيرادات حقيقية للدولة، وتساهم في تغطية الرواتب وتحسين الخدمات، بدل أن تبقى عبئًا ماليًا وساحة استنزاف. فالميناء، والمناطق الصناعية، والخدمات اللوجستية، والنشاط التجاري، يمكن أن تشكل رافعة اقتصادية إذا توفرت الثقة والاستقرار.
السؤال الجوهري ليس: من يحكم عدن؟ بل: كيف تُحكم عدن؟
الفرق كبير بين مدينة تُدار كغنيمة سياسية، ومدينة تُدار كمنصة اقتصادية وطنية. الأولى تُستنزف، والثانية تُنمّى. الأولى تُقصي الكفاءات، والثانية تستدعيها. الأولى تُخيف المستثمر، والثانية تجذبه.
التحدي الحقيقي أمام القوى السياسية اليوم ليس في كسب جولة نفوذ داخل المدينة، بل في القدرة على الاتفاق على تحييدها لصالح الجميع. هذا الاختبار سيكشف من يفكر بعقل الدولة، ومن لا يزال أسير عقل الجماعة.
عدن لا تطلب المستحيل. تطلب فقط أن تُترك لتعمل.
وإذا عادت عدن للعمل… عاد معها الأمل.
