خلال الشهر الكريم تحديدا، تصدّر طفح البيارات المشهد في عدد من أحياء عدن، في ظاهرة لم تعد مجرد مشكلة خدمية عابرة، بل تحولت إلى معضلة صحية وبيئية تؤثر بشكل مباشر على حياة السكان. شوارع تغمرها المياه الآسنة، وروائح خانقة، ومخاوف متزايدة من انتشار الأمراض، في ظل تساؤلات مشروعة يطرحها المواطن: كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟
من الناحية الفنية، تعود أسباب طفح البيارات عادة إلى تهالك شبكات الصرف الصحي، وانسداد الأنابيب، وغياب الصيانة الدورية، إضافة إلى النمو السكاني والتوسع العمراني الذي لم يواكبه تطوير حقيقي للبنية التحتية. لكن المشكلة في عدن لا تبدو مجرد خلل فني، بل انعكاس واضح لتراكم سنوات من الإهمال وغياب المعالجات الجذرية.
ومع أن الجهات المختصة تعلن بين الحين والآخر عن تدخلات إسعافية، إلا أن المعالجات المؤقتة غالبًا ما تنتهي بانتهاء الضجة الإعلامية، لتعود المشكلة مجددًا في أول اختبار حقيقي للبنية التحتية المتعبة.
وإذا كان طفح البيارات يثقل كاهل المدينة بيئيًا وصحيًا، فإن أزمة الغاز المنزلي تضيف عبئًا آخر لا يقل قسوة على حياة المواطنين. فمنذ أشهر، يقف المواطن في طوابير طويلة بحثًا عن أسطوانة غاز، في مشهد يعيد إلى الذاكرة أزماتٍ كان يُفترض أنها أصبحت من الماضي.
تفاقم أزمة الغاز لا يعني فقط صعوبة الحصول على مادة أساسية في الحياة اليومية، بل يحمل أبعادًا اجتماعية واقتصادية أعمق. فارتفاع الأسعار في السوق السوداء، وتعطل حياة الأسر، ومعاناة النساء في تدبير أبسط متطلبات المطبخ، كلها مؤشرات على أن المشكلة لم تعد مجرد نقص مؤقت في الإمدادات، بل خلل في منظومة التوزيع والإدارة.
وسط هذه التحديات المتزامنة، يبرز سؤال يطرحه الشارع العدني بكثير من الحيرة: لماذا عدن بالذات؟ ولماذا تتفاقم هذه الأزمات في توقيت واحد، وبصورة تبدو وكأنها تضغط على حياة الناس من كل اتجاه؟
لا أحد يملك إجابة قاطعة، لكن المؤكد أن تراكم الأزمات الخدمية بهذا الشكل يفتح الباب أمام الكثير من التأويلات والتساؤلات، خصوصًا في ظل الحديث المتزايد عن صراعات إدارية وضغوط سياسية تطال بعض المسؤولين المحليين، من محافظ ومدراء مديريات.
غير أن تحميل المسؤولية لجهة بعينها قد لا يكون الطريق الأقصر لفهم المشكلة. فالأزمات الخدمية غالبًا ما تكون نتيجة تداخل عوامل عديدة، تبدأ بالإهمال الإداري، وتمر بضعف التخطيط، وتنتهي بغياب الرقابة والمحاسبة.
ما يحتاجه المواطن في عدن اليوم ليس تبادل الاتهامات، بل إدارة جادة للأزمات، تقوم على تشخيص حقيقي للمشكلات، ووضع حلول مستدامة بدلاً من المعالجات المؤقتة. فملف الصرف الصحي يتطلب إعادة تأهيل شاملة للشبكات، وخطة صيانة دورية واضحة، بينما تحتاج أزمة الغاز إلى تنظيم دقيق لآليات التوريد والتوزيع، بما يمنع الاحتكار ويضمن وصول المادة إلى مستحقيها.
إن استمرار هذه الأزمات دون حلول جذرية لا يهدد فقط مستوى الخدمات، بل يمس ثقة المواطن بمؤسسات الإدارة المحلية وقدرتها على إدارة شؤون المدينة.
عدن، التي كانت يومًا واحدة من أكثر مدن المنطقة تنظيمًا وحيوية، لا تستحق أن تتحول إلى مدينةٍ تطاردها الأزمات من شارع إلى آخر. وما بين طفح البيارات وطوابير الغاز، يبقى الأمل معلقًا على إرادة حقيقية تعيد للخدمات العامة معناها، ولحياة الناس شيئًا من الاستقرار الذي طال انتظاره.
