وبعض من سير وحكايات حول من مروا وكانوا هنا في ثغرها المجيد


- المكسر قنطرة بناها الفرس الذين تولوا عدن على سبع قواعد ويقال إنما بناها شداد بن عاد في الأصل
وقيل بناها العجم لما أطلقوا البحر على المباه حتى غرق ما حول عدن من الأراضي
- أبو الفداء اسماعيل بن عبدالملك بن مسعود الدينوري البغدادي أخذ عنه القاضي أحمد القريظي وغيره من فقهاء عدن وكان عابداً زاهداً صاحب كرامات
- ابن بكاش التاجر الذي كاد للقاضي عبدالرحمن العنسي عند المظفر كان مقيماً بعدن ثم انتقل إلى الهند وأقام بها إلى أن توفي

14 أكتوبر / خاص :
نجمي عبدالمجيد :
وهذه صفحات حملت حروفها من حكايات وأحاديث عن أزمنة غابرة حفظت في ذاكرتها بعضاً مما كان من اخبار عدن، منها ما جاور الحقائق، وفيها ما تقاطعت فيه الخرافات والأساطير مع وقائع الدهر.
وكم يطول ذكر ما كان، وكم فات العقل من سجل التدوين وكم بقي في الحاضر من ذلك الزمان.
هنا نحاول الرجوع والبحث في تلك الاسفار عن معالم وذكريات، وما جرى على لسان المراحل من سرديات عدن، وهل ما كان له رجع الايام في حاضرنا.
عند صفحات الماضي يشتد حنين الذكريات لعودة صوت الأمس في أشواق النفس لصور لم يبق منها غير كلمات هي من ترسم بقايا الماضي. وليس الحاضر بغريب عن هذا الارث بل هو الامتداد لما جرى في سابق الحياة.
وما العودة إلى هذه الصفحات البعيدة في ذاكرة التاريخ إلا حالة استعادة هوية مدينة مازال الأمس له في زواياها عبق ما جرى في تلك الأغوار القصية.
حين نفتح هذه الأسفار نرحل مع منزلة ومكانة عدن وكيف كانت في تلك الحقب وما بقي من معالمها، ويتذكر الزمان عند حدود صراع البقاء كي يلغي من الصورة ما قد يطمس الواقع الحاضر منه.
لذلك تصبح العودة لهذا الارث مثل شوق الرغبة لما سمع عنه دون حضور المشاهدة. من هنا تكون كتب التاريخ القديمة الشاهد الوحيد على روح المكان وفعل الانسان.
وكلما مرت حوادث الدهر وطالت صور الابتعاد تصبح الرجعة إلى ما قد مضى شعور في الالتقاء مع ذلك الذي ما فضل منه في روح الكلمات الخالدة في زوايا التاريخ.
مما تسرد المرجعيات عن عدن، هذا بعض مما ذكر في الاسفار عما يذكر ابن المجاور في تاريخه انه كان من القلزم إلى عدن إلى جبل سقطرى كله بر واحد متصل لا فيه بحر ولا باحة، فجاء ذو القرنين في دورانه ووصل إلى هذا الموضع ففتح وحفر خليجاً في البحر فجرى فيه إلى ان وقف على جبل باب المندب فبقيت عدن في البحر وهو مستدير حولها، وما كان يبان من عدن سوى رؤوس الجبال شبه الجزر. ولنا على قولنا دليل واضح ان آثار ماء البحر والموج باق بائن في ذرى جبل العر والجبل الذي بني على ذروته حصن التعكر وجبل الأحضر.
والدليل الثاني ان شداد بن عاد ما بنى ارم ذات العماد إلا ما بين اللخبة ولحج وبين المغاوي التي على المفاليس وهو الرمل الذي إلى جبل دار زينة.
وما بناها إلا في اطيب الأراضي والاهوية والجو في صنعاء من الأرض بعيد عن البحر.
وفي موضع آخر يسرد عن مكان في عدن صار من صفات حضورها الجغرافي إن ذكر الحديث عن بحار عدنو وهو ذكر المعجلين: قيل هو بركة في آخر جبل حقات وجبل صيرة الذي بني على ذروته قصر المنظر، والبركة خلقها الله تعالى وهي ما بين جبل حقات وجبل صيرة وهي ذات أمواج هائلة قاتلة في عمق وغزر.
حدثني منصور بن مقرب بن علي الدمشقي قال: إذا برد الماء بها يعني في البركة يكون العام عاماً شديداً على كل من يقطع الصبا.
قلت: ولمَ؟
قال: لكثرة الأمواج وهيجان البحر وإذا كان الماء فيه فاتراً يكون العام عاماً طيباً سهلاً يسيراً غير عسير على مسافره وهذا مجرب.
قلت لريحان مولى علي بن مسعود بن علي بن أحمد: لمَ سمي هذا المكان المعجلين؟
قال: لانه يرجع فيه كل أربعة اثنين.
ذكر بحيرة الاعاجم: قيل لما اطلق ذو القرنين البحر من جبل باب المندب وساح نشف ما حول عدن من المباه وبقيت عدن نصفها التي تلي جبل العر مما يلي صيرة مكشوفاً ومما يلي المباه وإلى جبل عمران ناشف فلما استولت ملوك العجم على عدن رأوا ذلك الكشف فخافوا على البلد من يد غالبة تحاصر البلد فحينئذ قاموا له فماً مما يلي جبل عمران واطلقوا البحر عليه فاندعق البحر فنزل إلى أن غرق جميع ما حول عدن من أرض الكشف فرجعت عدن جزيرة.
وبقي كل من أراد السفر إلى جهة من الجهات ركب متاعه في الصنابيق. ويجيء في البحر الأصلي إلى ان يعدي البحر وجاءت الجمال فرفعوه من عند المكسر وسافروا به. فلما رأوا ما رأوا من تعب الخلق في ذلك بني المكسر وهو قنطرة بنيت على سبع قواعد فصارت الخلق تسلكه على الدواب وغيرها وسمي البحر المستجد بحيرة الاعاجم وعرف بهم إلى قيام الساعة.
هذا بعض مما سرد ابن المجاور من تاريخ عدن في تلك القرون البعيدة.
ونحن نلاحظ كيف تداخلت الخرافات مع بعض الحقائق في صنع هذا التاريخ.
ان المخيلة الشعبية لا تسقط حضورها في بناء سرديات الحكاية بل هي من يعطي لها مكانة الخلود في الذاكرة العامة.
لكن يظل هذا التاريخ له من نكهة جمال الماضي ما يجعل التعامل مع تلك الحكايات وكأنها روح المكان في عودة تلك الصور من ماضيها البعيد نحو اليوم.
في ذاكرة المؤرخ البامخرمة مما قيل عن عدن الكثير ومن ذلك الفيض نختار هذه الحكايات: أبو الفداء اسماعيل بن عبدالملك بن مسعود الدينوري البغدادي، كان فقيها مشهوراً محدثاً اصله من العراق وقدم عدن وسكان فيها واخذ عنه القاضي احمد القريظي وغيره من فقهاء عدن وكان عابداً زاهداً صاحب كرامات، يروى عن المقري يوسف الصداءى وكان امام مسجد الفقيه المذكور انه قال له يوماً يا مقرى تريد ان اريك من آيات الله المحجوبة عن كثير من الناس قال نعم فأمره بالدنو منه فلما دنا منه مسح بيده على وجه المقرى وقال له ارفع بصرك إلى السماء فرفع راسه إلى السماء فرأى آية الكرسي مكتوبة بنور يخطف البصر أولها بالمشرق الله لا إله إلا هو الحي القيوم وآخرها بالمغرب وهو العلي العظيم وقال المقرى بهذا أشهد فاشهدوا على شهادتي. وقال المقرى المذكور سألته هل رأيت الخضر فقال نعم فقلت اني أقسم عليك بالله الذي لا إله إلا هو إلا عملت في رؤيتي له والنظر إليه.
ابن بكاش التاجر الذي كاد للقاضي عبدالرحمن العنسي عند المظفر كان مقيماً بعدن ثم انتقل إلى الهند واقام بها إلى أن توفي. قال الجندي ولم يفلح التاجر بعد مكيدته للقاضي بل اخرجه الله من عدن وجوار المسلمين واسكنه بين الكفار في الهند، ولم يزل يخدم رجلاً من ملوك الهند الكفار إلى ان توفي على حال غير مرضي عند ذوي الدين والدنيا انتهى. ولعل الفندق المعروف بفندق بكاش منسوب إليه.
ابو البهاء جوهر بن عبدالله العدني الصوفي الشيخ الكبير الصالح المشهور واظن انه من أهل الجند فاني رأيت بخط جدي القاضي محمد بن مسعود ابو شكيل في تاريخ وفاة شيخه القاضي محمد بن سعيد كبن: وانه دفن قبلي ضريح سيدي جوهر بن عبدالله الجندي.
قال الشيخ عبدالله بن اسعد اليافعي كان عبداً عتيقاً أميناً متسبباً في السوق بعدن انتهى، واظنه كان بزازاً في الخان فان به دكاناً مشهورا على السنة العوام ان الشيخ جوهراً ان يتجر فيه وهو دكان مشهور بالبركة قل ان يتجر به أحد إلا وفتح الله عليه في دنياه. قال الشيخ عبدالله اليافعي وكان يحب الفقراء حباً شديداً ويجالسهم كثيراً ويعتقدهم فلما حضر الشيخ العارف بالله ابا حمران الوفاة قال له اصحابه من يكون الشيخ بعدك قال الذي يقع على رأسه الطائر الأخضر في اليوم الثالث من موتي هو الشيخ، فلما كان اليوم الثالث من موته حضر الفقهاء والفقراء والعوام في مسجده وقعدوا ينتظرون ما يكون من وعد الشيخ ومنهم المصدق والمكذب والمتشكك وإذا بالطائر الموصوف قد اقبل وحط في طاقة المسجد فعند ذلك تشوف للمشيخة كبار اصحاب الشيخ والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء فارتفع ذلك الطائر من موضعه الذي حط فيه أولاً ثم وقع على رأس الشيخ جوهر فقام إليه الفقراء ليزفوه ويقعدوه في منصب الشيخ، فبكى وقال اين أنا من هذا انا رجل جاهل لا اصلح لهذا ولا اعرف الطريق، فقالوا له ما اقامك الحق في هذا المقام إلا وأنت أهل له وسيعلمك ما تجهل ويؤتيك التوفيق فقال الحق في هذا وان كان ولابد فامهلوني ثلاثة أيام اسعى في براءة ذمتي برد الحقوق التي علي للناس والتخلص منهم فامهلوه ثلاثة أيام فلما مضت الثلاثة قعد في منصب المشيخة فكان كاسمه جوهراً ثم ان بعض مشايخ الصوفية من تلك الناحية قدم حتى صار قريباً من عدن فزاره مشايخ الصوفية من اهل تلك الناحية وسلموا عليه.
ابو مروان الحكم بن أبان، قال ابن سمرة قال الجندي الحكم بن أبان بن عفان بن الحكم بن عثمان بن عفان العدني، كان فقيهاً مشهوراً احد فقهاء التابعين ادرك ابن طاؤوس في الجند فأخذ عن أبيه عن عبدالله بن عباس، قال الجندي وأسند عن عكرمة وغيره وامتحن بقضاء عدن وكان مشهوراً بالكرم ومسجده الذي يقف فيه من عدن هو مسجد أبيه الذي يعرف عند أهل عدن بمسجد أبان وهو أحد مساجد عدن المشهورة بالبركة واستجابة الدعاء ونجاح الحوائج وفيه أقام الإمام احمد بن حنبل حين قدم للأخذ عن إبراهيم بن الحكم بن أبان فلم يجده كما بلغه فقال أحمد للمكثر بن أبان: في سبيل الله الدريهمات التي انفقناها في قصد ابن اخيك.
ابو الطيب طاهر بن علي، قال الجندي كان رجلاً مباركاً له مروة وديانة وكان يوم في مسجد لله تعالى في مدينة عدن يعرف بمسجد النبي وكانت الملوك تسفره في تحمل الشهادات لثقتهم بدينه، سفره الملك المظفر إلى ظفار ثم بعد ذلك جعله على خزانة الفرضة بعدن وكان والده علي تاجراً خيراً استحب بالمسجد المذكور فبنى فيه الجناح الشرقي والمؤخر ووقف عليه عدة مواضع في البلد يعني عدن وجعل النظر في ذلك إلى أولاده، قال الجندي وهو في أيديهم إلى عصرنا وهم بيت تقى، قال ولما دخلت عدن في سنة 686هـ كنت كثير التردد إلى زيارة هذا المسجد.
أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن سفينان، كان فقيهاً فاضلاً عارفاً وأصل بلده عدن وتفقه بابن الأديب وابن الحرازي وغيرهما من الواردين كالزنجاني والقلهاتي وغيرهما وكان عارفا بالنحو والعروض وله خلق حسن وكان كثير الحج وفي مدة إقامته بعدن يدرس في بيته وبه تفقه جماعة من أهل عدن ولم أقف على تاريخ وفاته وكان ميلاده لبضع و660هـ وذكر الشيخ شهاب الدين احمد بن ابي بكر بن سلامة في كتابه المسلك الأرشد في مناقب عبدالله بن اسعد اليافعي عند تعداد مشائخ اليافعي: وإن منهم الشيخ الكبير محمد بن احمد البصال ثم قال وكانت قرأته يعني البصال على الفقيه الإمام ذي المحاسن والأوصاف الجميلة الحسان الصالح الناسك المعروف بعبيد بن علي بن سفيان المقبور في عدن وقيل عبدالرحمن بن علي بن سفيان من ذرية الشيخ الولي سفيان اليمني الذي شهرته تغني عن مدحه.
أبو الخطاب عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد بن عنبسة العدني، أصله من أبين من قرية الطرية وإنما قيل له العدني لأنه محن بقضاء عدن وأخذ سنن أبي قرة عن المغيرة العدني، قال الجندي وجدت فيما قرأته بخط ابن أبي ميسرة بسند متصل إلى القاضي عبدالوهاب أنه قال رأيت رسول الله “صلى الله عليه وسلم” في النوم وأنا في قرية الطرية من أبين ليلة الخميس سابع شهر رمضان سنة 415هـ وكأنه جالس في بيت لا أعرفه على شيء مرتفع يشبه الدكة وناس جلوس دونه فدخلت عليه ودنوت منه وقلت له يا رسول الله صلى الله عليك إنه قد قرب أجلي وأريد منك أن تلبس قميصي هذا حتى آمر بتكفيني فيه إذا أنا مت فعسى الله يقيني به حر جهنم.
علي بن الفضل القرمطي بل الزنديق احد دعاة القرامطة، كان أول ظهوره بجبل مسور وآخره في حراز من بلاد اليمن مشهور، ما زال يدعو إلى مذهب القرامطة سراً مظهراً مذهب الرفض وفي قلبه الكفر المحض ويزعم أنه يدعو إلى مذهب أهل البيت وحبهم إلى أن أفسد خلقاً كثيراً وملك حصون اليمن شيئاً فشيئاً ثم ملك مدنها منها عدن وزبيد وصنعاء وطرد الناصر بن الهادي إمام الزيدية من صعدة واستولى على جبال اليمن وتهامته، وكذا ذكره اليافعي في تاريخه في سنة 317هـ..
تلك صفحات روت لنا ما كان وما جرى في سالف الزمان من تاريخ عدن، وذكرى من كانوا وما هي معالمهم. وما بقي منها في سجل التاريخ عبر حفظ الكلمات كشاهدة على علاقة مدينة بحياة الناس.
وليس هذا السرد هو ما حصد كل مجريات تلك الأحداث، دون شك هناك الكثير الذي ما ذهب دون حفظ الذاكرة، وهذا هو حال الأيام في العلاقة مع الأشياء. لكن هذا الوجود بفعل السرد وبقايا من ذكريات تلك القرون والحقب تعيد لنا ما كان هنا من معالم الحياة لمدينة ظلت في كل المراحل مقصداً لمن سلك لها طريقاً من البحر أو البر ومستودعاً لمن أراد بها مقاماً.
عدن لن تكون مجرد ذكرى من الماضي، بل كانت حاضرة في وجدان الغد.
العودة إلى تلك الأسفار لا تعني فقط نبشاً في جلد الزمن ولكن التجاور مع أنفاس وروح الماضي نحاول الارتهان له في لحظات الاشتياق لمجد ما زال الحلم بعودته من طموحات العز والحضور في الذات وعن حكايات مدينة إن فتحنا كل صفحاتها لوجدنا انفسنا أمام أكثر من مدينة تسكن وجداننا وتلك هي عدن في خصائص تاريخها.
في صفحات السرديات تسكن الكثير من الحكايات عن عدن، المدينة والناس وفي كل هذا نرى المجد والزمان ومن جاؤوا إليها لأنها موطن السلام والأمن.
المراجع
1ـ صفة بلاد اليمن ومكة وبعض الحجاز المسماة تاريخ المستبصر لابن المجاور
اعتنى بتصحيحها: أوسكر لو فقرين
الطبعة الثانية: 1986م
شركة: دار التنوير للطباعة والنشر بيروت
2ـ تاريخ ثغر عدن
المؤرخ البامخرمة
الطبعة الثانية: 1986م
شركة: دار التنوير للطباعة والنشر ـ بيروت
