السلطات السورية أجلت 400 مقاتل واعتقلت أكثر من 300 كردي وواشنطن وبروكسل تدعوان للحوار




دمشق / 14 أكتوبر / متابعات:
أجلت السلطات السورية نحو 400 مقاتل كردي من مدينة حلب إلى شمال شرقي سوريا، واعتقلت أكثر من 300 كردي آخر، وفق ما أفاد مسؤول في وزارة الداخلية لوكالة "الصحافة الفرنسية" اليوم الأحد عقب اشتباكات دامية في الأيام الأخيرة مع القوات الحكومية.
وقال المصدر الذي طلب عدم الكشف عن اسمه إن "360 مقاتلا كردياً، و59 جريحاً" غادروا حي الشيخ مقصود ذي الغالبية الكردية باتجاه شمال شرقي البلاد. وأكد المصدر في الوقت نفسه اعتقال أكثر من 300 كردي بينهم "مقاتلون وعناصر من الأمن الداخلي الكردي".
وقالت وسائل إعلام سورية، اليوم الأحد، إن آخر مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) غادروا مدينة حلب.
وكانت وكالة الأنباء السورية (سانا) أفادت في وقت سابق ببدء خروج الحافلات التي تقل عناصر "قسد" من حي الشيخ مقصود نحو شمال شرقي سوريا.
من جانبه قال قائد قوات "قسد" مظلوم عبدي، اليوم الأحد، إن خروج قواته من حلب جرى بوساطة دولية، موضحاً "وصلنا إلى تفاهم يُفضي إلى وقف إطلاق النار في حلب بوساطة من أطراف دولية".
وأضاف عبدي، "ندعو الوسطاء إلى الالتزام بوعودهم في وقف الانتهاكات في حلب والعمل على عودة آمنة للمهجرين".
أفادت وكالة الأنباء السورية (سانا)، صباح اليوم الأحد، بتحليق مسيرات انتحارية لتنظيم "قسد" في سماء مدينة حلب.
يأتي ذلك بينما دعت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، أمس السبت، الحكومة السورية والأكراد إلى العودة للمفاوضات بعد أيام من الاشتباكات الدامية في مدينة حلب بشمال البلاد.
ووردت تقارير متضاربة من المدينة، إذ أعلنت السلطات وقف القتال، وقالت إنها بدأت بإخراج المقاتلين الأكراد من حلب نحو مناطق الإدارة الذاتية الكردية، في حين سارعت الأخيرة إلى نفي الإعلان.
وشاهد مراسل وكالة "الصحافة الفرنسية" ما لا يقل عن خمس حافلات السبت، تقل رجالاً يغادرون حي الشيخ مقصود الذي تقطنه غالبية كردية برفقة قوات الأمن، وقالت السلطات إنهم مقاتلون على رغم إصرار القوات الكردية على أنهم "مدنيون تم تهجيرهم قسراً".
لم تتمكن وكالة "الصحافة الفرنسية" من التحقق بشكل مستقل من هويات الرجال.

وشاهد مراسل آخر ما لا يقل عن ست حافلات تدخل الحي وتغادره من دون وجود أي شخص على متنها، وسط هدوء نسبي في المنطقة.
اندلعت الاشتباكات بين القوات الكردية والجيش الثلاثاء في حيي الشيخ مقصود والأشرفية الكرديين في حلب. وأدت المعارك إلى مقتل 21 مدنياً في الأقل وفق أرقام من الطرفين، ونزوح 155 ألف شخص من الحيين بحسب محافظ حلب.
جاء ذلك فيما عقد المبعوث الأميركي توم باراك لقاء أمس السبت، مع الرئيس السوري أحمد الشرع، وجه بعده دعوة إلى "استئناف الحوار" مع الأكراد.
كذلك حض الاتحاد الأوروبي، أمس السبت، كلاً من الحكومة السورية والسلطات الكردية على استئناف "الحوار السياسي".
وقال متحدث باسم التكتل في بيان، إن "الاتحاد الأوروبي يدعو إلى إنهاء الأعمال القتالية في حلب وحولها، ويشدد على أهمية حماية المدنيين في كل الأوقات وتسهيل إيصال المساعدة الإنسانية".
وأضاف، "نحض جميع الأطراف على تنفيذ وقف إطلاق النار الذي أعلن اليوم وعلى استئناف عاجل للحوار السياسي من أجل حل سياسي".
وأتت المعارك على وقع تعثر المفاوضات بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) منذ توقيع الاتفاق الذي ينص على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في إطار الدولة السورية.
ومساء أمس السبت، أعلن التلفزيون الرسمي السوري "نقل مقاتلين من تنظيم قسد أعلنوا استسلامهم بالحافلات إلى مدينة الطبقة" في مناطق سيطرة الأكراد شمال شرقي البلاد.
وأفاد مصدر أمني سوري بأن آخر المقاتلين الأكراد تحصنوا بمنطقة مستشفى الرازي في حي الشيخ مقصود، قبل أن تقوم السلطات بإجلائهم.
من جانبها، نفت القوات الكردية سيطرة القوات الحكومية على حي الشيخ مقصود في حلب ووقف العمليات العسكرية.
وقالت في بيان، "ادعت ما تسمى وزارة الدفاع في حكومة دمشق وقف إطلاق النار والمعارك في حي الشيخ مقصود، في محاولة مكشوفة لتضليل الرأي العام"، مضيفة "نؤكد بشكل قاطع أن هذه الادعاءات كاذبة جملة وتفصيلاً" وأن قواتها لا تزال تتصدى لـ"هجوم عنيف".
كما أفاد مراسل "الصحافة الفرنسية" على مشارف الشيخ مقصود عن مغادرة عشرات المدنيين الذين كانوا عالقين جراء المعارك، بمرافقة من قوات الأمن.
وافترشت عائلات الأرض عند مدخل حي الشيخ مقصود بعدما علقت داخله لأيام وأخرجت برفقة القوات الأمنية استعداداً لنقلها إلى مراكز إيواء. وأجهشت نساء وأطفال بالبكاء بينما نادت طفلة باكية والدها مراراً.
وبحسب المراسل، تم فصل عشرات الشبان الذين يرتدون ملابس مدنية عن البقية، وأجبرهم الأمن على الجلوس على الأرض، قبل نقلهم في حافلة إلى وجهة غير معروفة.
وقال مسؤول أمني سوري رافضاً كشف هويته، إنهم "مقاتلون سينقلون إلى مراكز احتجاز سورية".

وعلى مشارف الشيخ مقصود، كان عماد الأحمد (60 سنة)، أحد سكانه النازحين، ينتظر صباح السبت سماح قوات الأمن له بالدخول. وقال "أنا نازح منذ أربعة أيام، لا أعرف ما إذا كنا سنعود اليوم، أقطن في منزل شقيقتي الآن، جئت للاطمئنان على منزلي".
ومثله كانت ناهد قصاب، وهي أرملة تبلغ 40 سنة، تنتظر فرصة للدخول. وقالت "أولادي الثلاثة لا يزالون في الداخل، عند جارتي، أريد أن أخرج أولادي فقط".
تعد هذه الاشتباكات من بين الأعنف منذ وصول السلطات الجديدة، وتشكل تحدياً آخر في ظل سعي البلاد الحثيث لرسم مسار جديد بعد إطاحة بشار الأسد في ديسمبر 2024.
وقد ألقى كل من الجانبين باللوم على الآخر في بدء أعمال العنف في حلب.
في إقليم كردستان في العراق المجاور، تجمع آلاف الأشخاص السبت، للاحتجاج على الحملة العسكرية الحكومية في حلب.
وأطلق المحتجون في السليمانية، ثاني أكبر مدن الإقليم، شعارات من بينها "كردستان كلها واحدة من الشرق إلى قامشلي" و"كردستان واحدة موحدة" و"حاضرون لمد اليد لأكراد سوريا".
ورفع المتظاهرون أعلام الإقليم وصور قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي ومؤسس حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان.
تسيطر القوات الكردية على مساحات واسعة في شمال وشرق سوريا، تضم أبرز حقول النفط والغاز. وشكلت رأس حربة في قتال تنظيم "داعش" وتمكنت من دحره من آخر معاقل سيطرته في البلاد عام 2019 بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن.
لكن تركيا، الحليف المقرب للقادة الجدد في دمشق، تنظر إلى مكونها الرئيس على أنه امتداد لحزب العمال الكردستاني الذي وافق العام الماضي على إنهاء العمل المسلح بعدما استمر أربعة عقود ضد أنقرة.
ونفذت تركيا عدة عمليات لدفع القوات الكردية بعيداً من حدودها.
من جهتها، اتهمت المسؤولة في الإدارة الذاتية الكردية إلهام أحمد الحكومة باختيار "طريق الحرب" عبر مهاجمة الحيين الكرديين والسعي إلى إنهاء الاتفاق الذي تم التوصل إليه في مارس.

وتتبادل الحكومة السورية والإدارة الذاتية الكردية منذ أشهر الاتهامات بإفشال الجهود المبذولة لتطبيق الاتفاق المبرم بينهما الذي كان يفترض إنجازه بنهاية 2025، إلا أن تبايناً في وجهات النظر حال دون إحراز تقدم، على رغم ضغوط تقودها واشنطن الداعمة للطرفين.
وعدّ نانار هواش من مجموعة الأزمات الدولية أن تجدد الاشتباكات يثير الشكوك في مدى قدرة الحكومة على كسب ثقة الأقليات وتوحيد البلاد بعد 14 عاماً من الحرب. وقال "إذا ما تصاعد القتال، سيتساءل اللاعبون الدوليون حول مدى قدرة دمشق على حكم المجتمع السوري المتعدد".
