قد لا أفهم كثيرا في الاقتصاد، ولا في السياسة المالية، ولا أفهم شيئا عن التضخم النقدي، ولا عن هبوط الريال أمام العملة، ولم أستوعب سبباً يقنعني في ارتفاع الأسعار الجنوني كل يوم، قد أسمع عنها في النشرات الأخبارية ومواقع التواصل، ولكني أفهم شيئا واحدا وهو أني موظف في هذه الدولة وأؤدي مهامي الوظيفية على أكمل وجه، وعليه، يجب أن أتسلّم معاشي كل شهر بانتظام ليكفيني للعيش الكريم لي ولأسرتي، لا أريد رفاهية، ولم أعد أحلم بأشياء الآن أصبحت مستحيلة، ولكن يكفي إطعامي أنا وأسرتي.. هذه متطلباتي في هذا الوطن. لقد تخليت عن كل سبل الرفاهية وحتى الأساسية منها، وأقلعت أيضا عن التدخين منذ زمن طويل ومضغ القات أيضا، حتى لم أعد أذهب إلى المقهى لشرب الشاي والجلوس مع الأصحاب، أجلس في البيت ساعات وأنا أنتظر قدوم الكهرباء - وهي لا تأتي إلا ساعتين في اليوم- لأجل الماء حتى لا نموت عطشا.
كل ذلك لا يهم، ممكن أن أصبر وأتحمل الحر في هذا الصيف الحارق، وأصبر على الماء الذي يأتي مع الكهرباء مرة واحدة في اليوم، وأعرف أيضا أن الصحة العامة لا وجود لها في قاموس الدولة، ولا يوجد تأمين صحي في مرافق الدولة. تعودت إذا مرض أحد من أسرتي أن أستعين بأهل الخير من التجار حتى أكشف في العيادات الخصوصية. أعرف أيضا أن التعليم غير موجود بل متوقف منذ أضرب المعلمون لتحسين رواتبهم، وحتى لو فتحت المدارس مرة أخرى، للأسف فالتعليم لم يعد موجودا في مدارس الحكومة، وأنا لا أستطيع دفع رسوم المدارس الخاصة لأبنائي. لا يهم الكهرباء والماء، ولا يهم الصحة والتعليم، ما يهمني الآن وفي هذا الوقت ألا يتوقف راتبي فهو الأمل الباقي لنا للعيش والبقاء على قيد الحياة.
هل أنا أطلب المستحيل من الحكومة طالما أنا أعمل معها وأؤدي واجبي الوظيفي على أكمل وجه، وطالما أني لست منخرطا في أي حزب أو تشكيل سياسي أو نقابي ولا حتى في جمعية خيرية التي نسمع عنها فقط ولا نرى خيرها، ولم أخرج في أي مظاهرات تنتقد الدولة، ولم يكن لدي أي ماضٍ سياسي أو سوابق جنائية، فأنا مواطن نظيف لم يجرؤ يوما ولو لمرة واحدة أن يسأل مسؤولا كبيرا أو صغيرا: من أين لك هذا؟! أسأل فقط لماذا لم أتسلّم معاشي بانتظام كل شهر ليكفيني للعيش الكريم أنا وأسرتي. هل أظل محروما من معاشي شهرا وشهرين وثلاثة أشهر؟! من أين أطعم أسرتي؟! سؤال أرجو من الدولة الإجابة عنه.
