إن المجتمع الذي تُصادر فيه الحريات، ويُمنع فيه تداول السلطة، وتُحتكر فيه الثروة والقرار من قبل فئة أو جماعة، يصبح بيئة خصبة لنمو العنف والتطرف. وحين يشعر الإنسان بأنه لا يمتلك حق التعبير، ولا فرصة المشاركة، ولا أملاً في العدالة، فإن أبواب الاحتقان تُفتح على مصاريعها، ويجد دعاة التطرف أرضًا مناسبة لنشر أفكارهم واستقطاب الأتباع.
ولهذا، فإن مكافحة الإرهاب لا تبدأ من فوهة البندقية وحدها، بل تبدأ بإرساء دعائم الحرية، وبناء دولة المواطنة المتساوية، وترسيخ الديمقراطية الحقيقية، وتوسيع المشاركة الشعبية في صناعة القرار، وتحقيق التوزيع العادل للسلطة والثروة. فهذه هي الضمانات الحقيقية التي تحصّن المجتمع من التطرف، وتجعل المواطن شريكًا في حماية وطنه لا خصمًا له.
إن سعي أي طرف إلى الهيمنة والاستحواذ، وفرض لون سياسي أو مذهبي واحد، أو رأي واحد، وإقصاء بقية مكونات المجتمع، لا ينتج إلا مزيدًا من الاحتقان والصراع والعنف. فالتعددية ليست خطرًا على الوطن، وإنما الضمانة الأساسية لوحدته واستقراره. أما محاولات احتكار الحقيقة أو السلطة، فهي الطريق الأقصر نحو الانقسام والإرهاب.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الاستقرار لا يُبنى بالقوة وحدها، ولا بالخوف، وإنما بالتوافق الوطني، والشراكة الحقيقية، واحترام التنوع، وتقوية مؤسسات الدولة لتكون مؤسسات لكل المواطنين، لا أدوات في يد جماعة أو حزب أو سلالة أو طائفة.
والاستبداد، مهما اختلفت صوره، يبقى منظومة واحدة. فالمستبد الديني يمنح المستبد السياسي غطاءً أخلاقيًا أو دينيًا يبرر به قمعه، بينما يوفر المستبد السياسي للمستبد الديني الحماية والنفوذ والامتيازات. وهكذا يتحول الطرفان إلى حليفين في مواجهة المجتمع، ويعمل كل منهما على حماية الآخر؛ لأن بقاء أحدهما مرتبط ببقاء الآخر.
ولهذا قيل بحق: المستبدون بعضهم أولياء بعض. فهم وإن اختلفت شعاراتهم، فإنهم يتفقون على رفض الحرية، ومصادرة حق الناس في الاختيار، وإضعاف المؤسسات، وإخضاع المجتمع لإرادتهم. وكلما ضعفت دولة القانون، ازدادت قوة الاستبداد، واتسعت مساحة التطرف والإرهاب.
إن المعركة الحقيقية ليست بين شعب وآخر، ولا بين مذهب وآخر، وإنما بين مشروع يؤمن بالحرية والدولة والقانون، ومشروع يقوم على الاستبداد والاحتكار والإقصاء. ولذلك فإن القضاء على الإرهاب يمر عبر القضاء على أسبابه، وفي مقدمتها الاستبداد بكل أشكاله، وترسيخ العدالة، واحترام حقوق الإنسان، وإحياء قيم الشورى والديمقراطية، وبناء دولة يتساوى فيها الجميع أمام القانون.
فلا مستقبل لوطن يحكمه الاستبداد، ولا أمن دائم في ظل الظلم، ولا سلام حقيقي إلا بدولة عادلة، يتشارك أبناؤها في صنع حاضرها ومستقبلها، ويشعر كل مواطن فيها بأنه شريك كامل في الوطن، لا تابعًا لأحد ولا مستثنى من حقوقه.
