لكن ما لفت انتباهي منذ اللحظة التي أُعلن فيها رحيل الرئيس عبدربه منصور هادي مشهد واحد يستحق التأمل والتوقف أمامه والغوص، ففي مختلف مناطق الجنوب، من أقصاه إلى أقصاه، وبين مختلف الشرائح والانتماءات والتوجهات السياسية والفكرية، برز موقف إنساني جامع تمثل في الترحم على الفقيد وتقديم التعازي والمواساة لأسرته وذويه. وهو مشهد تجاوز الخلافات السياسية والاصطفافات والمواقف المتباينة، ليؤكد أن القيم الإنسانية مازالت حاضرة ومتجذرة في وجدان هذا الشعب الذي يستحق أن نفخر به.
والأهم من ذلك، أن هذا السلوك الحضاري في الترحم والتعزية لا يعبر فقط عن مكانة الراحل أو عن احترام الموت، بل يدل على مستوى الوعي والثقافة التي بلغها الشعب الجنوبي اليوم. فشعب يستطيع أن يضع الخلافات جانبًا عند المواقف الإنسانية الكبرى هو شعب تجاوز الكثير من الصغائر، وارتقى فوق نزعات التشفي والخصومات الضيقة، وأصبح أكثر إدراكًا لمعاني التعايش والتسامح واحترام الآخر.
لقد جسّد أبناء الجنوب في هذه اللحظة صورة مشرّفة من التلاحم الاجتماعي والأخلاقي، وأثبتوا أن الاختلاف السياسي لا يعني القطيعة الإنسانية، وأن الوفاء للقيم يبقى أقوى من الخلافات العابرة. فكانت رسائل التعازي والترحم الصادرة من مختلف الأطياف بمثابة استفتاء أخلاقي على معدن هذا الشعب الأصيل الذي خبر الحروب والآلام، لكنه لم يفقد إنسانيته ولم يتخلَّ عن موروثه القائم على الشهامة والنبل واحترام الناس.
إن هذا المشهد في جوهره رسالة عميقة مفادها أن الجنوب، رغم ما مرّ به من صراعات وتحديات، ما زال يمتلك رصيدًا كبيرًا من الوعي المجتمعي والتماسك الوطني، وأن أبناءه قادرون على الالتفاف حول القيم المشتركة التي تعزز وحدة النسيج الاجتماعي وتحصنه من الانقسامات.
لقد اختلف الناس حول الرئيس عبدربه منصور هادي في حياته، كما يختلفون حول أي قائد أو مسؤول، لكن ما نشاهده اليوم من مشاعر التعاطف والترحم والتعزية يؤكد أن المجتمعات الحية تقاس بأخلاقها قبل مواقفها، وبقدرتها على الارتقاء فوق الخلافات عندما تحضر القيم الإنسانية.
رحم الله الرئيس عبدربه منصور هادي، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان، وجعل هذا المشهد الإنساني الجامع شاهدًا على وعي شعب عرف كيف يختلف، وعرف أيضًا كيف يتوحد حول مكارم الأخلاق والإنسانية.
