كان أبي مضيافًا بطبعه، يحب الناس ويأنس بهم، ويجد في المجالس الاجتماعية متعة لا تقل عن متعته بالعمل في مزرعته، فكان مجلسه مفتوحًا لأبناء القرية وأصدقائه القدماء، يجتمعون مساءً لتبادل الأحاديث والأخبار، يناقشون ويختلفون أحيانًا، لكنهم كانوا دائمًا يلتقون على الاحترام والمودة. وكان الكرم من صفاته الأصيلة؛ فبيته لا يخلو من ضيف، وقلبه لا يخلو من ودّ، ولم يكن يملك الكثير، لكنه كان يمنح الكلمة الطيبة وإصلاح ذات البين بسخاء، ويؤمن أن قيمة الإنسان بما يقدمه لا بما يملكه.
وأتذكر وأنا طالب في المرحلة الابتدائية ذلك الراديو متوسط الحجم الذي كان يحتل مكانًا مميزًا في بيتنا، لم يكن مجرد جهاز بالنسبة لأبي، بل كان نافذته اليومية إلى العالم. فقد كان يحرص على الاستماع إلى نشرات الأخبار، خاصة إذاعة BBC العربية حين كانت تعرف بعبارتها الشهيرة “هنا لندن”، في النشرة الصباحية والمسائية، يجلس هو وأصحابه في المجلس ينصتون باهتمام، ثم يبدأ النقاش والتحليل، كلٌّ بحسب ثقافته وتجربته، لكنهم جميعًا كانوا يمتلكون ذكاء الفطرة وصدق الاهتمام. وكانت أخبار فلسطين حديثهم الشاغل حاضرة في أحاديثهم دائمًا، يتابعونها بحزن وأمل، ويتمنون لأهلها الفرج والنصر.
ولم يقتصر اهتمام أبي على إذاعة واحدة؛ فقد كان يستمع أيضًا إلى إذاعات عربية مختلفة ويتابع البرامج الشعبية التي كانت تدخل البهجة إلى نفسه، خصوصًا في أمسيات رمضان الجميلة. كما كان حريصًا على الاستماع إلى نشرات متعددة من مصادر مختلفة، إيمانًا منه بأن الحقيقة لا تُفهم من صوت واحد، وأن الإنسان الواعي هو من يسمع ثم يحكم بعقله. وكان يحب كذلك الاستماع إلى القصائد الهادفة التي تناقش الواقع وتحمل رسالة، ويتذوق الشعر الشعبي الصادق الذي يلامس هموم الناس ويعبر عن حياتهم.
وكان أبي مزارعًا شغوفًا بالأرض، يعرف مواسمها وأسرارها، ويعتز بمحصوله في المواسم المطرية كما يعتز بأبنائه، وإن ضاقت الأحوال على الأسرة عمل بالأجر اليومي في البناء، لا يأنف من تعب ولا يشتكي مشقة، وكان همه أن يوفر لقمة العيش لأولاده وأن يمنحهم فرصة التعليم التي لم يحصل عليها.
ومرت السنوات وتحسنت أحوالنا شيئًا فشيئًا، وكان أبي يتابع التحولات التي تمر بها البلاد باهتمام، ويستمع للأخبار السياسية كما يستمع لأخبار قريته، يناقش ويحلل ويقارن بين ما يسمعه وما يراه في الواقع، وكان يفرح لأي خطوة تقرب الناس من الاستقرار وتجمعهم على كلمة واحدة، ويحزن لأي خلاف يعيدهم إلى النزاعات والانقسام.
كان أبي عربيا حتى النخاع، يتابع أخبار الأمة كما يتابع أخبار قريته، وكان يؤلمه كثيرًا الاقتتال والصراعات التي لا تصنع وطنًا ولا تبني مستقبلًا، وتألم كثيرًا من أحداث عربية متلاحقة تركت أثرًا نفسيًا كبيرًا عليه، حتى أصيب بمرض السكري وارتفاع ضغط الدم.
وفي السنوات الأخيرة، وفي إحدى الليالي وهو يتابع أخبار فلسطين عبر التلفاز، اشتد عليه التأثر، فأصيب بجلطة أدت إلى شلل نصفي أفقده النطق والحركة، ومنذ ذلك اليوم عاش سنواته الأخيرة طريح سرير المرض، يسمع ويفهم لكنه لا يستطيع الكلام. وكنا نحن أبناءه نزوده بالأخبار التي يحبها، وكان يبتسم عند سماع ما يسره ويحزن بصمت عند سماع ما يؤلم، وظل السمع نافذته الأخيرة إلى العالم.
مضت السنوات ولم نشهد تحسنا حقيقيا في أوضاع العرب ولا في حال اليمن، بل كأن الزمن أعادنا إلى مراحل قديمة من المعاناة، ثم جاء الأجل المحتوم فرحل أبي عام 2018م بعد حياة مليئة بالكفاح والمواقف والمشاعر الصادقة.
رحم الله أبي، لم يكن زعيمًا سياسيًا ولا رجل دولة، لكنه كان إنسانًا عربيًا أصيلًا، فلاحًا بسيطًا مثقفًا بفطرته، عاش مهتمًا بأمته وفيًا لقيمه محبًا للناس، ترك لنا سيرة عطرة وذكريات لا تُنسى، وصوت راديو قديم ما زال صداه يتردد في ذاكرتي كلما مر خبر عن وطنٍ جريح أو شعب ينتظر الفرج.
