من الصفر إلى النغم.. رحلة الشهرين المكثفة





- عازفات في مواجهة الجمهور للمرة الأولى
- صناعة المبدعات تحت إشراف قامات الفن اليمني
- خلف الأوتار.. قصص شغف وتحدٍّ صامت
- كواليس العزف.. ثمرة جهد متواصل لا يعرف الكلل
- أنامل صغيرة تصنع الحدث.. «القانون» يخطف الأنظار
- ترويض الآلات الصعبة.. من التوتر إلى النجومية

14 أكتوبر / خاص :
استطلاع وتصوير/ فاطمة رشاد :
في أمسية استثنائية امتزج فيها سحر النغم بطموح المرأة العدنية، شهدت محافظة عدن مساء الخميس الماضي الحفل الختامي لمشروع «الفن مهنتي». هذا الحدث الذي لم يكن مجرد ختام لبرنامج تدريبي، بل كان خطوة تاريخية أثمرت ولادة فرقة موسيقية نسائية في المدينة تحت اسم «نغمات عدنية».
وجاء وقوف الفتيات على خشبة المسرح بكامل ثقتهن أمام الجمهور، ليتوج شهرين متتاليين من التدريب المكثف والعمل الدؤوب على ترويض الآلات الموسيقية، وتحويل الشغف الأولي إلى معزوفات أطربت الحاضرين.
رعاية رسمية ودعم للمواهب
وفي كواليس الحدث، حظيت الفرقة بإشادة رسمية واسعة؛ حيث أعلنت مديرة مكتب الثقافة بعدن سميرة المشجري عن استعداد المكتب الكامل لتبني هذه المواهب الشابة التي تسعى إلى التجديد وضخ دماء جديدة في شريان الحركة الفنية بالمحافظة، مؤكدة إشراكهن في البرامج والأنشطة القادمة للمكتب. كما أثنت المشجري على الجهود التي تبذلها المؤسسات الثقافية ذات الرؤى الواضحة التي تساهم في النهوض بالفنون والأخذ بأيدي المبدعين.
من جهته، عبّر معهد الفنون الجميلة بعدن عن فخره بهذا المنجز، حيث أكدت ضياء علي في كلمتها ممثلةً عن المعهد، أن الاستثمار الحقيقي يكمن في الإنسان المبدع باعتباره ركيزة التنمية الثقافية، وقالت: «إن ما شهدناه الليلة يعكس حجم الانضباط والالتزام والجهد الاستثنائي الذي بذلته المتدربات. فرقة (نغمات عدنية) هي نموذج مشرف للمرأة القادرة على حماية تراثها الموسيقي الأصيل وتقديمه بما يليق بتاريخ عدن الثقافي».
وأضافت أن المعهد يؤمن بأن هذه الشراكات هي الحجر الأساس لتطوير المشهد الفني، ويسعى دوماً لتوسيع التعاون مع مؤسسة عدن للفنون والعلوم والشركاء المحليين والدوليين.
تحديات ومشاعر خلف الأوتار
خلف الأوتار، كانت لكل فتاة قصة تحدٍّ ونجاح؛ إذ عبرت العازفة إلهام محمد عن سعادتها البالغة بوقوفها الأول أمام الجمهور، واصفةً العرض بأنه فاق كل توقعاتها.
بينما تحدثت عازفة الكمان إحسان محمد عن تجربتها مع واحدة من أصعب الآلات الموسيقية قائلة: «تدربنا على أيدي كبار أساتذة الفن في اليمن، ورغم التوتر الطبيعي الذي سبق الصعود للمسرح، إلا أن النتيجة كانت رائعة وتجاوزت كل المخاوف».
أما عازفة العود، منى جمال، فقد اعتبرت الحفل ثمرة لأيام طويلة من الصبر والجهد المتواصل، مشيرة إلى أن الفرقة تأسست بإمكانيات متواضعة ولكن بعزيمة وإصرار على إتقان النغمات وتقديمها باحترافية.
وفي السياق ذاته، وصفت عازفة الجيتار حنان غازي التجربة بالملهمة، بعد أن تمكنت من سبر أغوار آلتين موسيقيتين (الكمان والجيتار) في آن واحد.
من الصفر إلى النجومية
وعن تفاصيل الرحلة، أوضحت منسقة مشروع «الفن مهنتي» دنيا الصلاحي أن الفتيات بدأن الرحلة من الصفر دون أي خبرة سابقة، حيث خضعن لتدريب يومي مكثف استمر ساعتين بإشراف مدربين محترفين.
واختتمت الصلاحي حديثها بنبرة اعتزاز قائلة: «لقد أبهرتني سرعة استيعاب عازفات العود، ولكن المفاجأة الأكبر كانت أصغر عازفة في الفرقة على آلة (القانون)، والتي استطاعت بعزفها المتقن والجميل أن تخطف الأنظار وتكون نجمة الحفل بلا منازع».
ختاماً
ومع إسدال الستار على هذا الحفل الاستثنائي، لا تنتهي حكاية «نغمات عدنية»، بل تبدأ فصولها الحقيقية. إن نجاح هذه الفرقة النسائية في الوقوف على المسرح وتجاوز التحديات، يفتح الباب واسعاً أمام جيل جديد من المبدعات لكسر القيود وإثبات ذواتهن في المشهد الثقافي. لتبقى هذه التجربة برهاناً حياً على أن الفن في عدن، مهما خبت أضواؤه مؤقتاً، يمتلك دوماً القدرة على الانبعاث والولادة من جديد بأنامل أبنائه وبناته.
لم يكن إشهار فرقة «نغمات عدنية» مجرد حفل عابر أو حدث فني ترفيهي، بل هو خطوة استراتيجية في مسار استعادة الهوية الثقافية والتراث الموسيقي لمدينة عدن العريقة، ومع الدعم المأمول من مكتب الثقافة والجهات المعنية يتطلع المهتمون بالشأن الثقافي إلى أن تشكل هذه الفرقة ركيزة أساسية في إحياء الفن الأصيل، وامتداداً طبيعياً للدور الريادي الذي طالما لعبته المرأة اليمنية في قيادة التنمية وبناء السلام من بوابة الفنون.
لقد غادرت الفتيات خشبة المسرح، وهدأت أوتار الكمان والعود والجيتار، لكن صدى التصفيق الحار الذي ملأ القاعة ما زال يتردد كشاهد على ولادة فجر فني جديد. غادرت عازفات الفرقة وهن يحملن أحلاماً تتجاوز حدود الليلة؛ أحلام بأن تصبح «نغمات عدنية» سفيراً للفن والجمال، يُسمع صوته العالم بأسره، ويؤكد أن عدن ستبقى دائماً منارة للثقافة والإبداع.



