أزمة تتطلب رؤية وطنية لإنقاذ مهنة التعليم
أثار ما نشره الدكتور أحمد الأمين رئيس قسم الفيزياء بكلية التربية جامعة عدن اهتماما واسعا بين الأكاديميين والتربويين والمهتمين بالشأن التعليمي، لما حمله من مشهد إنساني مؤثر يعكس حجم الازمة التي تعيشها كليات التربية.
فقد وصف الدكتور أحمد الأمين مشهد طالبتين فقط تحتفلان بهدوء بإكمال امتحانات المستوى الرابع، وهما آخر طالبتين في قسم الفيزياء بعد أن توقف التحاق الطلاب بالقسم منذ ثلاث سنوات، كما أشار إلى أن عدد الطلاب المتوقع تخرجهم من جميع أقسام كلية التربية جامعة عدن خلال العام الجامعي 2025–2026 لا يتجاوز (94) طالبا وطالبة، رغم أنها الكلية الوحيدة لإعداد المعلمين في جامعة عدن.
هذه الأرقام لا تمثل مشكلة تخص قسم الفيزياء أو كلية التربية وحدها، وإنما تكشف عن أزمة وطنية حقيقية تهدد مستقبل التعليم في اليمن، إذ أن استمرار هذا التراجع سيؤدي خلال سنوات قليلة إلى نقص حاد في المعلمين المؤهلين، خصوصا في التخصصات العلمية الأمر الذي ستكون له آثار مباشرة على جودة التعليم ومخرجاته.
إن عزوف خريجي الثانوية العامة عن الالتحاق بكليات التربية لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات اقتصادية واجتماعية ومهنية في مقدمتها تدني رواتب المعلمين وتأخر صرفها وتعثر التسويات والعلاوات وضعف الحوافز وغياب التشريعات التي تحمي حقوق المعلم وتعزز مكانته.
كما أسهمت الفجوة الكبيرة بين رواتب المعلمين ورواتب بعض الوظائف العامة الأخرى في ترسيخ قناعة لدى كثير من الطلاب وأسرهم بأن مهنة التعليم لم تعد توفر الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي، فأصبحت كليات التربية خيارا غير جاذب رغم أهميتها الوطنية.
ومن هنا، فإن معالجة هذه الأزمة لا ينبغي أن تقتصر على زيادة أعداد المقبولين في كليات التربية، بل يجب أن تبدأ بإعادة الاعتبار لمهنة التعليم نفسها لأنها تمثل الحجر الأساس في بناء الإنسان والدولة.
ولتحقيق ذلك أقترح تبني برنامج وطني متكامل يقوم على المحاور الآتية:
أولا: إطلاق برنامج منحة معلم المستقبل، بحيث تتبنى السلطة المحلية في عدن بالتنسيق مع الحكومة والقطاع الخاص تقديم حوافز مالية شهرية لطلاب كليات التربية طوال سنوات الدراسة، مقابل التزامهم بالعمل في مدارس المحافظة بعد التخرج لفترة زمنية محددة.
ثانيا: ضمان فرص التوظيف من خلال إعلان الاحتياجات السنوية للمدارس مسبقا ومنح خريجي كليات التربية الأولوية في التعيين وفق الاحتياج الفعلي، بما يمنح الطالب الثقة بمستقبله المهني.
ثالثا: إعادة الاعتبار لمهنة المعلم عبر تحسين الرواتب وانتظام صرفها واستكمال التسويات والعلاوات، وإصدار قانون حديث للمعلم يكفل حقوقه ويعزز مكانته المهنية والاجتماعية.
رابعا: تقديم حوافز لطلاب كليات التربية تشمل الإعفاء من الرسوم الجامعية وتوفير بدل مواصلات وتأمين صحي ودعم للوسائل التعليمية، بما يخفف الأعباء الاقتصادية عنهم.
خامسا: تخصيص حوافز إضافية للتخصصات النادرة مثل الفيزياء والرياضيات والكيمياء واللغة الإنجليزية لسد العجز المتوقع في هذه التخصصات.
سادسا: توفير فرص تدريب مدفوعة الأجر أثناء الدراسة بما يكسب الطالب خبرة عملية ويوفر له مصدر دخل يساعده على استكمال دراسته.
سابعا: تحديث برامج كليات التربية بإدخال تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتقنيات التعليمية الحديثة والتعليم الرقمي، بما يجعل برامج اعداد المعلم اكثر مواكبة للتطورات العالمية.
ثامنا: تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني والجهات المانحة لتوفير منح دراسية وأجهزة حاسوب ودعم برامج إعداد وتأهيل المعلمين.
تاسعا: إطلاق حملة إعلامية وطنية لإعادة الاعتبار لمهنة التعليم وإبراز مكانة المعلم ودوره في بناء الانسان والوطن، وتقديم نماذج ناجحة لمعلمين تركوا أثرا إيجابيا في المجتمع.
عاشرا: استحداث جائزة سنوية للتميز التربوي تمنح لأفضل الطلاب في التخصصات التربوية، مع توفير فرص تدريب وابتعاث للخريجين المتميزين.
ومن المهم كذلك إعادة تنظيم سياسة القبول الجامعي وفق احتياجات الدولة وسوق العمل، من خلال مراجعة الطاقة الاستيعابية لبعض الكليات التي تشهد فائضا في الخريجين مقابل منح كليات التربية مزايا تنافسية تشجع الطلاب على الالتحاق بها، مع الحفاظ على مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص، فالهدف ليس التضييق على خيارات الطلاب وإنما تحقيق التوازن بين مخرجات التعليم العالي واحتياجات التنمية.
كما أن نجاح أي إصلاح يتطلب تعزيز العمل المشترك بين وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي وجامعة عدن والسلطات المحلية، من خلال تشكيل لجنة تنسيقية دائمة تتولى إعداد خطة وطنية لإحياء كليات التربية وربط سياسات القبول الجامعي بالاحتياجات الفعلية للمدارس، ووضع برامج مشتركة للحوافز والمنح وضمان التوظيف.
إن ما وثقه الدكتور أحمد الأمين لم يكن مجرد مشهد عابر بل رسالة صادقة تنبه إلى خطر حقيقي يواجه مستقبل التعليم، وإذا لم يتم التعامل مع هذه المؤشرات بجدية فإننا قد نجد أنفسنا خلال سنوات قليلة أمام مدارس تعاني نقصا حادا في المعلمين المؤهلين وهو ما سيؤثر في جودة التعليم والتنمية الوطنية.
إن إنقاذ كليات التربية يبدأ بإنقاذ المعلم وإعادة الاعتبار له ماديا ومعنويا لأن الاستثمار في المعلم هو الاستثمار الأهم في مستقبل الوطن. ومن هنا فإن إطلاق خطة وطنية شاملة لإنقاذ مهنة التعليم لم يعد خيارا بل أصبح ضرورة وطنية ملحة تستوجب تضافر جهود الدولة والجامعات والسلطات المحلية والقطاع الخاص والمجتمع بأسره.
