ليس كل صمت ذهباً. هناك صمتٌ يثقب القلب، صمتٌ لا تجده في الكتب ولا تسمعه في النشرات. إنه صمت البيوت بعد أن كانت عامرة.
كنا نظن أن البيت هو الجدران والسقف. اكتشفنا متأخرين أنه ضحكة في الصباح، وجدال على من يغسل الصحون، ودعاء أم قبل النوم، وخطوات أبٍ ثقيلة تعود من العمل. البيت أمةٌ صغيرة اسمها “الأسرة”.
ثم دارت عجلة الزمن ببطء قاسٍ. بعد أن كانت هنا ضحكة تسبق الأذان، وأقدام صغيرة تركض نحو المطبخ تسأل “إيش اليوم غداء يا أمي؟”. كان هنا صوت الأب وهو يوبخ برفق، ودعاء الجدة قبل النوم، وجدال الإخوة على ريموت التلفاز. بيتٌ كامل، دافئ، تتنفس جدرانه حناناً.
ثم غادر الدفء مع آخر من أغلق الباب خلفه. وفجأة... بردت الجدران.
اليوم أدخل البيت فلا يستقبلني أحد. الشاي يبرد في المطبخ لأنه بلا من يشربه. التلفاز مفتوح على قناة الأخبار ولا أحد يجادل فيها. صوت الساعة صار ضجيجاً، لأنه يذكرني أن الوقت يمر في مكانٍ خلا من ساكنيه.
يقولون “سلامك النفسي ضرورة”. نعم. لكن أي سلام هذا حين يتحول بيتك إلى متحف بارد؟ أي راحة حين يصبح السكون وجعك اليومي؟
صمت البيوت لا يُسمع بالأذن، يُسمع بالقلب. يوجع أكثر من ألف حكاية حزينة، لأن الحكاية تُروى ثم تنتهي. أما صمت البيت فهو حكاية تُعاد كل ليلة، بلا نهاية.
نحن لا نبكي على الماضي، نبكي على الحاضر الذي سرقه منا.
في منعطفات وطنٍ مزقته الحروب والغربة والفقر، لم نفقد بيوتنا فقط... فقدنا المعنى. فقدنا “اللمة” التي كانت دواءً لكل وجع.
صمت البيوت أوجع من ألف حكاية، لأن الحكاية تُقال وتنتهي. أما هذا الصمت فهو حكاية تُكتب كل يوم على جدرانٍ باردة، بمداد الوحدة.
المجتمع الدولي يتحدث عن أرقام النازحين واللاجئين، لكن من يحصي عدد البيوت التي ماتت وهي واقفة؟ من يقيس وجع أبٍ يفتح باب بيته فلا يجد من يقول له “حمدلله على السلامة”؟
لا تدفعوا الناس إلى حافة الانفجار، ولا تدفعوا البيوت إلى حافة الصمت. فإذا مات دفء البيت، مات الوطن قبل أن ندفنه.
لأن البيت بلا عائلة... مجرد جدران. والعائلة بلا بيت... قلوب تائهة. والأوجع؟ أن نعتاد على هذا الصمت حتى نظنه طبيعياً.
