في بيان للشعب، أكد الرئيس أن عائدات النفط سيتم توجيهها مباشرة "لخدمة المواطنين في جميع أنحاء البلاد، وفي مقدمة ذلك الوفاء بالالتزامات الأساسية للدولة، وصرف الرواتب، وتحسين الخدمات، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي". هذه الجملة وحدها تحمل معنى كبيراً: أن ثروات اليمن ستعود إلى اليمنيين جميعاً، "لا أن تبقى رهينة لمغامرات المليشيات وابتزازها". وبذلك كسرت الدولة معادلة التجويع التي فرضت طوال سنوات الحرب.
منذ انقلاب المليشيات الحوثية تحولت موانئ التصدير ومنشآت النفط إلى ورقة سياسية وعسكرية. توقف التصدير فتوقفت المرتبات، وانهار الريال، واختفت الخدمات، وتحول المواطن إلى رقم في قوائم الإغاثة. واليوم يعود النفط، ومعه يعود الأمل، ولو كان هشاً، بأن الدولة قادرة على استعادة سيادتها على مواردها وتحويلها إلى حياة حقيقية للناس.
الأثر المتوقع لهذا القرار مباشر وحيوي. أولاً على مستوى الرواتب التي تمثل الجرح الأكبر. عودة ضخ الدولار إلى البنك المركزي عبر صادرات النفط تعني إمكانية انتظام صرف مرتبات الموظفين في كل المحافظات، وهذا وحده سيحرك السوق ويعيد بعض الدورة الاقتصادية. ثانياً على مستوى الخدمات والأسعار. الكهرباء والوقود والصحة والتعليم كلها مرتبطة بسعر الصرف، واستئناف التصدير سيعطي الحكومة أدوات لتثبيت العملة وخفض الأسعار التي طحنَت الناس. ثالثاً على المستوى النفسي، فسماع المواطن أن "النفط عاد من أجل الناس" يعيد له الثقة المفقودة، ويعطيه إحساساً بأن الدولة بدأت تستعيد عافيتها.
لكن الرئيس العليمي لم يفصل الاقتصاد عن السياسة. فقد ربط إعلان النفط مباشرة بدعوته إلى "الالتفاف حول مشروع الدولة، ودعم القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب". النفط هنا ليس سلعة فقط، هو أداة سيادة. هو رسالة للداخل بأن الدولة ستخدم الناس، ورسالة للخارج بأن أي سلام قادم يجب أن يمر عبر مؤسسات الشرعية. كما أن الإعلان جاء بعد الدعم الأخوي من المملكة للموازنة العامة، ما يعطي هذا التوجه زخماً حقياً وفرصة للتعافي لم تتوفر من قبل.
ومع ذلك، فالاختبار الحقيقي يبدأ الآن. التحدي الأول أمني: حماية الحقول والأنابيب والموانئ من الاستهداف. والتحدي الثاني إداري ومالي: الشفافية الكاملة في إدارة العائدات حتى لا تذهب في متاهات الفساد. والتحدي الثالث وهو الأهم: السرعة. عبارة "ابتداءً من اليوم" يجب أن تترجم خلال أسابيع إلى مرتبات في البنوك، وكهرباء مستقرة، وخدمات تلمسها الأسرة اليمنية في بيتها، وإلا تحول البيان إلى وعد آخر مؤجل.
الرئيس كان صريحاً حين قال إن "المأساة التي يعيشها اليمنيون لم تكن قدراً محتوماً، وإنما نتيجة مباشرة لانقلاب المليشيات". واليوم وبعودة النفط تريد الدولة أن تثبت العكس. أن تثبت أن المعاناة يمكن أن تنتهي، وأن الحياة يمكن أن تعود إذا عادت الدولة.
النفط وحده لن يحل كل شيء. البنية التحتية مدمرة، والفساد متجذر، والحرب لم تنتهِ. لكنه بلا شك البداية. بداية لانتقال من "دولة تعيش على المساعدات" إلى "دولة تنتج وتخدم". والكرة الآن ليست في ملعب الحكومة وحدها، بل في ملعب الجميع. في وعي المواطن، وفي التفاف القبائل والقوى الوطنية حول مشروع الدولة كما دعا الرئيس.
النفط عاد. فهل تعود معه الحياة؟ هذا هو السؤال الذي سيجيب عنه الأداء في الأيام القادمة. والمواطن الذي صبر 12 عاماً لم يعد لديه رفاهية الانتظار.
