في بعض الأماكن تبدأ الحكايات التي لا تنتهي. منذ أروقة المعهد التقني في المعلا بدأت قصة صداقة طويلة مع رياض في سنوات الثمانينيات، حيث كانت الحياة بسيطة والفرح قريباً من القلب، تشكلت علاقة لم تضعفها المسافات ولم تكسرها الحروب.. هو ليس مجرد صديق بل صلة حية بين الذكريات والحاضر بين عدن وغربتي الطويلة، بعيداً عن الوطن.
بعد مغادرتي عدن إلى السعودية ظل تواصلنا مستمراً، رسائل ومكالمات تمتد عبر السنين تحافظ على الرابط حياً رغم المسافات، وكل زيارة لي إلى عدن كانت فرصة لإحياء الذكريات، نعود فيها إلى شوارع المعلا إلى مقاعد الدراسة إلى أيام لم يعرفها الزمن بعد.
وحين توحد الجنوب مع الشمال كُنت غائباً عن البلد، بينما بقي رياض شاهداً على الوقائع التي سبقت حرب صيف 1994م وما تلاها من اجتياح الجنوب وخسارة الأرض والانسان، رأى بعينيه التشريد وعاش مرارة التسريح والتهميش، لكنه واجه كل ذلك بصبر وشجاعة محتفظاً بذاكرة حية لتلك الأحداث.
رياض عاش الألم عن قرب، فشقيقه من المخفيين قسرياً لدى ما كان يعرف آنذاك بالحرس الجمهوري ولم يعثر له على أثر حتى اليوم، ومع ذلك ظل صامداً وفياً متفانياً في مساعدة الآخرين هو مثال العدني البسيط النبيل الذي يحمل الانسانية في قلبه رغم كل ما مر به.
في السنوات الأخيرة، وبعد اجتياح الحوثيين لعدن، عاش رياض وأسرته جولات من النزوح متنقلين بين مناطق مختلفة بحثاً عن مأمن وسط الخراب، ومع ذلك ظل ثابتاً يحمل الأمل في قلبه ويتمسك بخيوط الحياة اليومية البسيطة، فنجان شاي عدني في الصباح، زيارة جار قديم، حديث قصير مع صديق، ضحكة مع ابنته الوحيدة، كل لحظة بسيطة كانت بالنسبة له شكلاً من أشكال المقاومة وشهادة على الصمود.
رياض ليس مجرد صديق بل وشيجة زمن ووفاء حاضرة في تفاصيل حياتي اليومية، في مكالماتي ورسائلي وفي كل حديث عن عدن والغربة. هو جزء من الذكريات التي تحيي الماضي، ومن الأمل الذي يضيء الحاضر، ومن الصمود الذي يرسم ملامح المستقبل مهما طال الزمن.
في القاهرة، في مقري المؤقت في فيصل، أستحضره في كل زاوية وفي كل لحظة هدوء، في كل ذكرى عابرة وكل رسالة منه وكل مكالمة وكل خبر عن حياته هناك يعيد إلي الوطن يجعل الصداقة وطناً صغيراً يسكن قلبي مهما ابتعدت الأقدار.
رياض هو الغائب الحاضر، الصديق الذي لا تقتله المسافات ولا تغيره السنون ولا تكسره الحروب، هو الصداقة بكل معانيها: الوفاء، الدعم، الصمود والذكريات التي تشبه الوطن كبيراً في القلب مهما ضاق العالم.
