14 اكتوبر / خاص : في ظل التحديات البيئية المتزايدة التي تواجه النظم الساحلية في خليج عدن، أصدر مركز رؤى للدراسات الاستراتيجية والاستشارات والتدريب ورقة سياسات متخصصة بعنوان «تعزيز الحماية البيئية والإدارة المستدامة لمحمية خور عميرة البحرية» في مديرية المضاربة ورأس العارة بمحافظة لحج، أعدّتها د. جاكلين منصور رئيس المركز، ونُفذت ميدانيًا بإشراف مركز رؤى، وبدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبرنامج المنح الصغيرة، وبتمويل من مرفق البيئة العالمي، وذلك في إطار الجهود الدولية والوطنية الرامية إلى حماية التنوع الحيوي البحري وضمان استدامة الموارد الطبيعية.وتتناول الورقة واقع محمية خور عميرة البحرية باعتبارها واحدة من أهم النظم البيئية الساحلية في خليج عدن، لما تضمه من تنوع حيوي غني وشواطئ ذات حساسية بيئية عالية، تمثل موائل رئيسية لتغذية وتكاثر السلاحف البحرية المهددة بالانقراض، إلى جانب الشعاب المرجانية والمخزون السمكي والطيور الساحلية . كما تشكل المحمية موردًا بيئيًا واقتصاديًا بالغ الأهمية للمجتمعات المحلية التي يعتمد جزء كبير من سكانها على الصيد والأنشطة الساحلية كمصدر رئيسي للرزق، فضلًا عما تمتلكه من مقومات واعدة للبحث العلمي والسياحة البيئية المستدامة.واعتمد إعداد الورقة على نزول ميداني مباشر نفّذه فريق مركز رؤى للدراسات الاستراتيجية إلى عدد من المواقع داخل نطاق المحمية، بالتنسيق مع جمعية حماية الحياة الفطرية والسلاحف البحرية في خور عميرة، حيث جرى توثيق مظاهر التدهور البيئي وعقد لقاءات مع مختصين وناشطين بيئيين وصيادين محليين، ما أتاح تقديم تشخيص دقيق للتحديات البيئية والمؤسسية استنادًا إلى مشاهدات واقعية وأدلة ميدانية موثقة.وأظهرت نتائج التحليل الميداني أن محمية خور عميرة تعاني من تدهور بيئي متسارع خلال السنوات الأخيرة، تمثل في تدمير أجزاء من الشعاب المرجانية بفعل مراسي القوارب واستخدام أدوات صيد مدمرة، إلى جانب الانخفاض الملحوظ في أعداد السلاحف البحرية نتيجة الصيد الجائر وتراجع مناطق التغذية والتكاثر، فضلًا عن تراجع التنوع الحيوي ونفوق المخزون السمكي وانتشار النفايات البلاستيكية على امتداد الشريط الساحلي وداخل قاع المحمية. كما كشفت الورقة عن غياب شبه كامل للإدارة التشغيلية الفاعلة، وضعف الرقابة البحرية، وانعدام الحراسة، وافتقار المحمية إلى خطة إدارة وتشغيل واضحة، أو قاعدة بيانات علمية وأنظمة رصد حديثة، إضافة إلى ضعف التنسيق المؤسسي بين الجهات المعنية بالبيئة والسلطة المحلية والجهات الأمنية.وتهدف الورقة إلى دعم السلطات المحلية والجهات البيئية في اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة الميدانية، من خلال تقديم تحليل مهني لاحتياجات المحمية واقتراح خيارات سياسات عملية وقابلة للتنفيذ، مع التأكيد على أهمية إشراك المجتمع المحلي والصيادين باعتبارهم شركاء رئيسيين في جهود حماية الموارد البحرية وضمان استدامتها، وتشير الورقة إلى أن حماية محمية خور عميرة لا تمثل التزامًا بيئيًا فحسب، بل تشكل استثمارًا استراتيجيًا في الأمن البيئي والغذائي والتنمية المحلية المستدامة.وتعرض الورقة ثلاثة مسارات للتدخل لمعالجة التدهور البيئي، تبدأ بإجراءات عاجلة لتعزيز الرقابة البحرية وتفعيل الحماية البيئية، مرورًا بتحسين البنية التشغيلية واللوجستية للمحمية، وصولًا إلى إعداد وتنفيذ خطة إدارة متكاملة تمثل الخيار الأكثر فاعلية واستدامة. وتؤكد الورقة أن تبني خطة إدارة شاملة من شأنه معالجة جذور المشكلة، ووضع إطار مؤسسي طويل الأمد ينسجم مع متطلبات المانحين والهيئات البيئية الدولية، ويخفض كلفة التدخلات على المدى البعيد، ويضمن استمرارية الجهود الرقابية والعلمية والمجتمعية داخل المحمية.وفي خاتمة التقرير، شددت الورقة على أن استمرار الوضع الراهن يهدد بفقدان محمية خور عميرة كأحد أهم الأصول البيئية في محافظة لحج وخليج عدن، مؤكدة أن التدخل العاجل لم يعد خيارًا بل ضرورة ملحّة، وأن تبني نهج مؤسسي متكامل لإدارة المحمية وحمايتها يمثل الطريق الأكثر واقعية للحفاظ على هذا الإرث البيئي الوطني وتعزيز دور المجتمع المحلي في صونه لصالح الأجيال القادمة.

