ولم يكن دور أولياء الأمور مقتصرا على توفير الاحتياجات المدرسية، بل ظهر دورهم بصورة أوضح في أوقات الأزمات التي كانت تهدد استمرار العملية التعليمية. فعندما كانت الإضرابات تتسبب في توقف الدراسة، كان همهم الأول ألا يدفع أبناؤهم ثمن الخلافات، فعملوا على إيجاد بدائل تضمن استمرار التعليم وعدم انقطاع الطلاب عن مدارسهم.
اليوم، يبدو أن هناك توجها للانتقال بهذه الروح المجتمعية من المبادرات الفردية إلى العمل المؤسسي. وهذا ما يسعى إليه الأستاذ هاني اليزيدي، مدير مديرية المنصورة، من خلال فكرة إنشاء مجلس تعليمي للمديرية، بعد نقاش مستفيض مع عدد من الكوادر التربوية والأكاديميين والشخصيات الاجتماعية ورجال المال والأعمال.
الفكرة في جوهرها ليست إضافة مجلس جديد إلى قائمة المجالس، وإنما إنشاء إطار مؤسسي ينظم العلاقة بين المدرسة والمجتمع، ويجمع الكفاءات والخبرات والقدرات الموجودة في المديرية، ويوجهها لخدمة التعليم بصورة أكثر تنظيما وفاعلية.
ومن أهم ما يمكن أن يقوم به المجلس إنشاء صندوق لدعم التعليم، تكون مهمته تحديد احتياجات المدارس وفق الأولويات، بحيث يذهب الدعم إلى المدرسة الأكثر احتياجا، بدلا من أن تبقى عملية الدعم رهينة العلاقات الشخصية أو المبادرات العشوائية.
لكن إصلاح التعليم لا يعني إصلاح المبنى المدرسي فقط.
فالطالب يحتاج إلى أدواته الدراسية، والمعلم يحتاج إلى التدريب والتأهيل وتحسين مستواه المعيشي والمهني، والطلاب الموهوبون يحتاجون إلى اكتشاف قدراتهم وتشجيعها وصقلها، حتى لا تتحول مواهبهم إلى طاقات مهدرة.
وهنا تكمن أهمية هذه المبادرة: أنها تنظر إلى التعليم باعتباره مسؤولية مجتمعية متكاملة، لا مهمة إدارية تقع على عاتق مكتب التربية وحده.
وقد سعدت بالمشاركة في النقاش الذي سبق تشكيل هذا المجلس، وأرى أن ما بدأ في المنصورة يستحق الدعم والتجربة والتقييم والتطوير. فالنجاح لا يأتي من الشعارات، وإنما من تحويل الفكرة إلى مؤسسة لها أهداف واضحة، وآليات عمل شفافة، وأولويات محددة، ومحاسبة على النتائج.
وإذا نجحت تجربة المنصورة، فلماذا لا تصبح نموذجا لبقية مديريات عدن؟ ولماذا لا نستفيد لاحقا من تجارب المديريات في تأسيس مجلس تعليمي على مستوى المحافظة، وصولا إلى صيغة أوسع تستفيد منها بقية المناطق المحررة؟
لقد أثبتت التجارب أن الدولة وحدها لا تستطيع النهوض بالتعليم في ظل الظروف الصعبة التي نعيشها، كما أن المجتمع وحده لا يستطيع أن يحل محل الدولة. المطلوب هو شراكة حقيقية بين السلطة المحلية، والتربية والتعليم، والمعلمين، وأولياء الأمور، والأكاديميين، ورجال المال والأعمال، ومؤسسات المجتمع المدني.
هذه هي القيمة الحقيقية لمجلس التعليم في المنصورة: أن يعيد للمجتمع دوره في حماية التعليم وتطويره.
فحين يصبح التعليم قضية مجتمع، يصبح إصلاحه مسؤولية الجميع.
