شسير به ليلة ماشرقد النوم
شوقت له كم لي سنين وشصبر
من يوم سرح قلبي قلت ما شقدر
وجه المليح طلعة قمر على الجاح
ليس غريبا أن تتحول عدن إلى أغنية، ولا أن تصبح شوقا يسكن القلوب قبل أن تكون مدينة على الخريطة، فهذه الكلمات من كلمات الشاعر اليمني الكبير أحمد الجابري التي تغنى بها ولحنها الفنان الكبير أحمد بن أحمد قاسم، لم تكن مجرد لحن عابر بل كانت اختصارا لعلاقة استثنائية بين الإنسان وعدن المدينة التي كلما ابتعدت عنها ازداد الحنين إليها، وكلما اقتربت منها أدركت أنها ليست مكانا فحسب بل ذاكرة وهوية وأسلوب حياة.
عدن ليست ميناء وحسب، ولا مجرد مدينة ساحلية تطل على البحر العربي وخليج عدن، بل هي مدينة كوزموبوليتانية، تشكلت هويتها عبر قرون من الانفتاح على العالم. فقد جعلها موقعها الاستراتيجي على مفترق طرق شرق إفريقيا والشرق الأوسط وشبه القارة الهندية محطة للتجارة العالمية وبوابة التقت فيها الشعوب والثقافات والأديان واللغات، لتصبح بوتقة انصهرت فيها التقاليد والتأثيرات المختلفة في نموذج مدني فريد.
انعكس هذا التنوع على عمران المدينة، فتميزت بطراز معماري يجمع بين التأثيرات العربية والهندية والأوروبية، وبمبانٍ ذات جدران حجرية سميكة صممت بعناية لتنسجم مع المناخ المحلي، لتصبح هندسة عدن شاهدا حيا على تاريخها وروحها المنفتحة.
لكن تميز عدن لم يكن عمرانيا فقط، بل كان ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا أيضا، فهي مدينة البحر والميناء، ومدينة السينما والمسرح والمقهى الثقافي، ومدينة الصحافة والإعلام والفن والموسيقى، التي احتضنت الجميع دون تمييز، وصنعت نموذجا للتعايش المدني قل نظيره في المنطقة.
إن عدن، بما تمتلكه من موقع استراتيجي وإرث حضاري وميناء عالمي ومقومات سياحية وثقافية واقتصادية، مؤهلة لأن تكون إقليما اقتصاديا مدنيا رائدا ومحورا للتجارة والاستثمار والخدمات في المنطقة إذا ما توفرت الرؤية والإدارة الرشيدة.
إن حماية خصوصية عدن ليست دفاعا عن الماضي، بل استثمار في المستقبل. فالحفاظ على هويتها المدنية وتراثها المعماري وتنوعها الثقافي وفضائها المفتوح هو حماية لأحد أهم النماذج الحضرية في الجزيرة العربية، وضمان لاستعادة دورها التاريخي، كمدينة عالمية تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم، وتفتح أبوابها للعالم كما فعلت عبر تاريخها الطويل.
