أما اليوم، فقد أصبح السؤال مختلفًا: كم تستطيع أن تدفع؟
في المدارس الخاصة، لم يعد التعليم مجرد خدمة، بل فاتورة تتسع بحسب اسم المدرسة وموقعها ومستواها، حتى أصبحت رسوم بعض المدارس أرقامًا يصعب على الأسرة العادية استيعابها عقليا فقط، فضلًا عن القدرة على دفعها. وهناك مدارس تتفاوت رسومها بصورة تجعل المرء يتساءل: هل تلك الأسر التي يتعلم أبناؤها من مدينة أخرى غير هذه المدينة التي يطحن الفقر معظم أسرها؟
والأكثر إثارة للمفارقة تلك المدارس التي توصف بأنها «أهلية»، بما يوحي بأنها مدارس غير ربحية أو أقرب إلى خدمة المجتمع، ثم تجد في (بعضها) تكلفتها تقترب من المدارس الخاصة، وكأن الفرق بين التسميتين لا يظهر كثيرًا عندما تصل الفاتورة إلى ولي الأمر.
وهكذا أصبح التعليم الخاص طبقات؛ مدرسة لمن يستطيع دفع مبلغ معقول، وأخرى لمن يستطيع دفع مبلغ أكبر، وثالثة لمن لا يعني له ارتفاع الرسوم شيئًا. ولم تعد المنافسة دائمًا على جودة التعليم وحدها، بل على قدرة الأسرة على تحمل تكلفته.
لكن إذا أدار الفقير ظهره لهذه المدارس واتجه إلى المدرسة الحكومية، فهل يجد البديل الذي يحفظ لأبنائه حقهم في تعليم جيد؟
هنا تبدأ الحكاية الأخرى.
من منشأة مدرسية تحتاج إلى الصيانة والتأهيل، إلى فصول مكتظة، إلى معلم أنهكته الظروف النفسية والمالية، إلى كتاب مدرسي يغيب عامًا بعد عام، يصبح الحديث عن جودة التعليم الحكومي أقرب إلى الحديث عن الأماني فقط.
المعلم يريد أن يعطي، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى أن يستطيع العيش بكرامة. والطالب يريد أن يتعلم، لكنه يحتاج إلى كتاب وفصل صالح وبيئة تعليمية تساعده على ذلك.
والمدرسة نفسها تحتاج إلى أن تكون مدرسة بالفعل، لا مبنى يستقبل مئات الطلاب ثم يتركهم يتدبرون أمرهم.
وهنا تصبح المفارقة قاسية: في التعليم الخاص تدفع كثيرًا لتحصل على فرصة أفضل، وفي التعليم الحكومي تدفع من أعصابك ووقت أبنائك ومستقبلهم ثمنًا لنقص الإمكانات.
وبين الاثنين يقف الفقير وهو أوسع شريحة في المجتمع. لا يستطيع أن يشتري التعليم الخاص، ولا يملك رفاهية الانتظار حتى يصلح التعليم الحكومي نفسه. وهنا لا تعود قضية التعليم شأنًا تربويًا فقط، بل تصبح قضية عدالة اجتماعية.
فحين يصبح التعليم الجيد امتيازًا لمن يملك المال، والتعليم الحكومي حقًا على الورق فقط، فإن المجتمع لا ينتج جيلًا متعلمًا بقدر ما ينتج طبقات من التعليم، وبالتالي طبقات من المستقبل.
وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث لمدينة عرفت التعليم يومًا باعتباره الطريق الأكثر عدلًا للصعود.
فالسؤال لم يعد: أين سيتعلم أبناؤنا؟
بل أصبح أكثر مرارة: من يستطيع أن يدفع ثمن تعليمهم؟
