ومن جهة أخرى، يمكن تصنيف العداوة أيضًا على أنها نوع من التعلق، ولكن في هذه الحالة، توصف بأنها سلبية القيمة. وتنشأ العداوة بين الناس عندما يشعرون، لا إرادياً، بتنافر متبادل، حتى وإن لم يرغبوا في الاعتراف بذلك. نادرًا ما يتحول الأعداء إلى أصدقاء، لكن مثل هذه الحالات تحدث نتيجة لحدث استثنائي. وأحيانًا يصبح الناس أعداءً بسبب ظروف خارجية، كالانتماء إلى فصائل ومناطق وكيانات وجماعات متنافسة تختلط مشاعر التعصب مع الانتماء وتفقد العلاقات الفردية قيمتها مقابل تلك الانتماءات.
في زيارته للولايات المتحدة، مزح الملك شارل الثالث مع الرئيس ترامب مزحة مرة فقال له “لولانا لكنتم تتكلمون الفرنسية”. وهذا ربما تذكير غير مباشر بحرب السنوات السبع (1756 - 1763) حيث دخلت بريطانيا ضد فرنسا بهدف السيطرة على البحار والأراضي الواقعة في أمريكا الشمالية، وبالنتيجة حازت بريطانيا على مكانة الدولة العظمى على حساب فرنسا.
بالنسبة للأمريكيين، لو أن فرنسا خرجت منتصرة من الحرب كان يمكن أن يتمردوا على لويس الخامس عشر بدلاً من جورج الثالث ولتكلموا حتى الآن بالفرنسية، لن يشكل فارقاً بالضرورة. ترامب وشارل لم يتملقا بعضهما عن الصداقة التي ليس لها وجود بين البلدين رغم مرور زمن طويل على الثورة الأمريكية ضد العرش البريطاني، وعلى الرغم من تحالفهما القائم على المصالح المتقاطعة دوماً، لأنهما يعرفان أن ذلك سيجعلهما أضحوكة بين مواطنيهم لأنهم يعرفون تماماً تاريخ علاقة البلدين. الصحافة الأمريكية حولت الزيارة نفسها إلى احتفاء لافت بالملك وسخرية لاذعة من ترامب. بالتأكيد سيكون من السذاجة بمكان أن يخرج المرشد الإيراني ليتحدث مبتسماً عن عمق الصداقة الإيرانية الأمريكية بينما تقصف طهران.
في قصته القصيرة “رئيس الجزيرة الحجرية”، يصف ويليام كوزلوف شخصيتين تجدان نفسيهما في معسكرين متناحرين. الشخصيتان الرئيسيتان، سوروكا وغاريك، تتحولان إلى عدوين. فقد صادق غاريك صبية القرية الذين يمارسون الصيد الجائر، بينما فضّل سوروكا مصاحبة الصبية الذين يسعون لحماية الموارد الطبيعية بكل الوسائل الممكنة. سوروكا لا يكن الكراهية لغاريك، لكنه يلتزم بالقانون التزامًا صارمًا. لا يمنح انتماء غاريك إلى جمهورية الصبية دائمًا وضعًا مريحاً. علاوة على ذلك، ينجذب هو ورئيس جمهورية الأطفال تلك إلى الفتاة نفسها. يدرك غاريك أن القيم الروحية لصبيان الجزيرة الحجرية أقرب إلى قيمه من قيم صبية القرية، ويتأكد ذلك عندما ينقذ حياة سوروكا بسحبه من الماء بعد أن طُعن في ظهره، فتحولا إلى صديقين بعد ذلك.
ليس من المنطقي الحديث عن “علاقة صداقة تاريخية ببريطانيا”. صحيح، لدينا علاقة تاريخية بها لكنها ليست صداقة بل شيء آخر. من الممكن جداً أن نتحدث عن علاقة في طور التحسن لا أكثر، نفس المنطق يسري على علاقاتنا بجميع الدول. لأنه من غير المنصف وضع علاقتنا بالذين قدموا لنا يد العون وساندونا في أحلك الظروف في سياق واحد مع من يتحين فرصة افتراسنا، ووقف منا دوما موقفا لا يتسم بالود من أول يوم استقلال.
المصادر التي تبين استحالة تحول العداء إلى صداقة أكثر من أن تحصى، مذكرات الرئيس علي ناصر محمد للستة عقود الماضية التي اطلعنا على شذرات منها، تعتبر أكثر من كافية للبرهنة على ما ندعي. نريد أن نعيش في قطيعة مع المنطق بالترويج لفكرة تحول العدو إلى صديق فجأة وتحت النيران و(بقبقة الدماء) على التراب.
لا توجد سابقة يمكن الاعتداد بها لتأييد الفكرة، إلا القفز من السفينة بمشاعر الخوف من احتمال غرقها. قد تتحول العداوة إلى صداقة عندما يتشارك الناس أو الدول اهتمامات ومبادئ متشابهة.
في حالة بطلي القصة المشار لها (سوروكا وغاريك) تَوَفر ظرف تغلبت فيه قيمة الخير على نقيضها، لكن في حالتنا الراهنة الأمور مقلوبة رأساً على عقب. الاهتمامات والأهداف والقيم على طرفي نقيض.
