ذلك الوضع لم يطل كثيرا، فسرعان ما تعرفت على أشخاص غاية في اللطف في إدارة البرامج، التي كنت فيها متدربا (لا يعرف كوعه من بوعه). لا أريد هنا أن أحكي قصة البداية كلها. ما أريده هو التنويه في ذكرى أستاذي الراحل محمد عبد الله عمر إلى نصائحه المحورية التي أعانتني فعلا في فهم الرسالة الإعلامية ذاتها وطريقة عرضها.
كان أول شخص أحتك به هو الأستاذ المخرج الكبير علوي علي مدير عام البرامج. كنت متوجسا في البداية من أني سأجد مديرا عبوسا (شايف نفسه)، مدير (ومن زيمه) وإلا كيف (با يكون يعني؟)، هذا التصور كان قائما في ذلك الوقت بالذات لظروف معروفة.
بدأ الأستاذ علوي يدرس شخصيتي ببعض التكليفات البسيطة والمناقشات المختلفة، وكان منها استعراض مسلسل (صورة) بطولة عبد الله غيث في مكتب ملحق بمكتبه. المشكلة أنني حينها، كما قلت، لا أعرف شيئا. ولكني اجتهدت قدر استطاعتي لتقييم المادة بهدف عرضها. طبعا المدير أجاز عرضها ثقة منه برأيي، ولكن بعد عرض أولى الحلقات، طلبني، وقال لي: “المسلسل ما عليه غبار، ولكنه مش قوي دراميا علشان ننافس به القناة الأولى”. حينها فهمت أن المشكلة تكمن عندي ولا بد من الاطلاع فيما يخص الدراما والإخراج والمونتاج و....الخ.
بعد مدة، تقدمت بأول نص لبرنامج تلفزيوني، حسب ما اعتقدت أنه كذلك. أعجب الرجل بالنص من حيث المعلومة والموضوعية، لكنه لم يكن نصا تلفزيونيا. طلب مني نصا ثانيا وثالثا. وحين استقر رأيه على فتح المجال أمامي، وجهني نحو الأستاذ محمد عبد الله عمر للاطلاع وإبداء الرأي. قام الرجل بقراءة النص بتمعن شديد وأشاد بجودته ثم وجهني بكيفية تعديله ليكون نصا تلفزيونيا، ثم وقع عليه مجيزا تسجيله والبدء بتصوير أولى حلقات البرنامج. وتم تحديد تكليف الأستاذ الجميل صلاح بن جوهر مذيعا للبرنامج.
من حينها، تطورت علاقتي بالأستاذ محمد عبدالله عمر، وكنت أمر عليه يوميا لنتحادث وأطلب النصيحة، خصوصا في ظروف تلك الأيام. كنت أعرف أن الأستاذ محمد يعمل بالإذاعة، ولكني لم أعرف متى أو لماذا تحول للعمل في التلفزيون. ولكني حينما تعرفت عليه وجدته أبا وصديقا يصدقك في القول والنصح. ذات يوم، وقبل أن نسجل الحلقة الأولى من البرنامج، استدعاني وسألني: برأيك ما هي الرسالة الإعلامية؟ قلت أن يقدم فائدة للمجتمع، وأن يكون عين الدولة على أجهزتها، وهذه الفكرة كانت قد تجسدت عندي منذ زمن.
قال: هذا صحيح، إذا ما كنت في دولة صح. (لكن أشتي أقول لك حاجة مهمة جنب ما قلته)، تفضل يا أستاذ فأنا تلميذك حاليا. قال: اسمع يا أحمد (يجب على الإعلامي أن لا يجمل قبيحا ولا يشوه جميلا). هل قرأت في النص ما يدل أني أفعل ذلك؟؟؟ فقال: لا لا، ولكن يجب أن يعرف الجمهور ذلك. فسألته (طيب كيف أسوي؟) قال تخلي المذيع يقول هذا الكلام علشان نكون متصافيين مع المشاهدين من البداية. ولعل الأستاذ صلاح يتذكر أنه قرأ ذلك الكلام في مقدمة الحلقة الأولى.
قدم لي بن بشر نصائح مهنية غالية جدا لا زلت أعمل بها وأهمها (دور المعلومة). بعد حرب 94 دخلت عليه متوترا للغاية، فسألني عن السبب فرويت له ما حدث وما طُلب مني؟ فاندهش ونصحني مبتسما: (يا أحمد مشي حالك معاهم، وإلا شوفهم ما بايخلوش لك حالك). ولم أفهم ما إذا كان كلامه جادا أم اختبارا لي، ولم أعمل بما قال...
اليوم الوقت اختلف، ودخلت على خط الإعلام أدوات جديدة مختلفة جوهريا. والأكثر من ذلك فُتحت بورصة الولاءات، ومن حق من أراد أن يعرض أسهم ولائه في البورصة بالطريقة التي يريدها وبالسعر الذي يناسبه. فالعميلة لم تعد حكرا على الساسة فقط. ولكني حبيت التذكير بنصيحة الأستاذ محمد (لا تجملوا القبيح ولا تشوهوا الجميل) وأضيف إليها ولا تتكئوا على الجغرافيا لأنها ستميل من تحتكم، ولا تكذبوا على التاريخ لأنه فضّاح ولا يجامل أحدا. لقد كُذب علينا من قبل، ولكننا عندما تحدثنا مع التاريخ فضحهم.
