الأصل أن المُعلن هو المسؤول الأول عن صدق ما يورده من بيانات وعن صحة ما يقدمه من وعود، فالإعلان الكاذب أو المضلل ليس مجرد مبالغة تجارية بل قد يتحول إلى فعل يرقى إلى الغش أو التدليس متى ترتب عليه تضليل المستهلك وإيقاعه في ضرر. غير أن دور وسيلة الإعلان لا يظل دائماً في دائرة الحياد، فليست كل وسيلة مجرد ناقل صامت لما يرد إليها، بل قد تكون شريكاً في الصياغة أو في الإخراج أو في تقديم الإعلان في سياق يوحي بالثقة والتزكية، وعندئذ يتغير توصيفها القانوني ويتسع نطاق مساءلتها.
المسؤولية القانونية لوسيلة الإعلان تتحدد بقدر تدخلها وعلمها وإمكان توقعها للضرر، فإذا اقتصر دورها على النشر دون أن يكون لديها علم بعيب المنتج أو تضليل الإعلان، وكانت قد التزمت (بالضوابط المهنية المعتادة)، فإن مسؤوليتها قد تكون محدودة وفقاً لما تقرره تشريعات حماية المستهلك وقواعد المسؤولية التقصيرية. أما إذا ثبت أنها تجاهلت مؤشرات واضحة على الاحتيال، أو سمحت بتمرير ادعاءات لا يقبلها عقل أو منطق، فإن صمتها قد يُفسر إهمالاً جسيماً يفتح باب المساءلة، بل قد يؤدي إلى مسؤولية تضامنية مع المُعلن إذا كان تدخلها إيجابياً ومؤثراً في إخراج الرسالة الدعائية.
وفي فضاء الإعلام الرقمي تتضاعف التعقيدات، إذ تختلط الحدود بين الناشر والمعلن والمؤثر، وتتداخل الأدوار بصورة لم تكن معهودة من قبل. فحين يروّج حساب ذو تأثير واسع لمنتج معيب دون إفصاح عن طبيعة العلاقة التجارية، فإن الثقة الشخصية تتحول إلى أداة تسويق، ويصبح الضرر مضاعفاً لأن الجمهور لا يتلقى رسالة تجارية فحسب بل يتلقى توصية مغلفة بالمصداقية.
من هنا يجب أن تتجه التشريعات الحديثة إلى إلزام منصات التواصل والمؤثرين بقواعد الإفصاح والشفافية، إدراكاً لخطورة الإعلان المقنع الذي يتخفى في ثوب الرأي الشخصي.
غير أن ما يعلو على النصوص هو الضمير المهني، فالمؤسسة الإعلامية التي تفرّط في معايير التحقق تفرّط في رأس مالها الحقيقي وهو الثقة. وقد ينجو الإعلان المضلل من ثغرة قانونية، لكن أثره يبقى في ذاكرة الجمهور شاهداً على تراجع المعايير. والإعلام الذي يبيع مساحاته دون تمحيص يغامر بسمعته قبل أن يغامر بسلامة المستهلكين، لأن الثقة إذا اهتزت يصعب ترميمها.
وهكذا تبقى المعادلة واضحة وإن بدت متشابكة، فالمُعلن مسؤول عن صدق دعواه، ووسيلة الإعلان مسؤولة بقدر ما مارست من دور أو قصّرت في واجب، أما المستهلك فيستحق منظومة قانونية وأخلاقية تحميه من أن يكون ضحية كلمة براقة أو صورة جذابة تخفي وراءها نقصاً أو عيباً أو احتيالاً.
وفي عالم تتزاحم فيه الإعلانات كما تتزاحم السلع، تبقى المسؤولية قيمة لا تقل أهمية عن الربح، ويبقى احترام عقل الجمهور هو الاختبار الحقيقي لكل من يمسك بزمام الكلمة والصورة.
