هذا التناقض بين مؤشرات السوق وواقع الناس، يطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا لم يلمس المواطن نتائج تحسن العملة؟ فالمؤشرات تؤكد أن استقرار سعر الصرف وحده لا يكفي. فالاقتصاد اليمني يعاني من اختلالات هيكلية عميقة، في مقدمتها ضعف الإيرادات العامة، وتضخم الإنفاق غير المنتج، وتفشي الفساد الإداري والمالي. عندما يتحسن سعر الصرف دون أن تصاحبه إصلاحات حقيقية في بنية الاقتصاد، يظل الأثر محدوداً ومؤقتاً. فالتجار غالباً ما يُبطئون في خفض الأسعار، بينما ترتفع بسرعة عند أي تراجع للعملة، ما يخلق فجوة بين النظرية والواقع.
استمرار احتساب الرواتب وفق معايير قديمة يجعل الموظف الخاسر الأكبر. فالموظف الذي يتقاضى راتبه على أساس سعر صرف سابق، بينما الأسعار لم تنخفض بنفس النسبة التي تحسن بها الريال، يجد نفسه عالقاً بين دخل ثابت وتكاليف معيشة مرتفعة. وهنا تتآكل القوة الشرائية تدريجياً، ويغدو التحسن النقدي مجرد رقم يتم تداوله في بنوك الصرافة.
غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق ساهم في استمرار موجة الغلاء. فالتحسن النقدي لم يُترجم إلى سياسات تسعير عادلة، ولا إلى رقابة حقيقية تلزم المستوردين والتجار بعكس فارق سعر الصرف على أسعار السلع. وهكذا بقي المواطن الحلقة الأضعف في معادلة السوق.
إن معالجة هذا الخلل لا تكون بإجراءات ظرفية، بل بحلول جذرية تعالج أصل المشكلة. وأول هذه الحلول هو محاربة الفساد بصورة حاسمة. فالفساد يستنزف موارد الدولة، ويبدد فرص التنمية، ويحول دون توجيه الإنفاق إلى أولويات حقيقية. لا يمكن لأي إصلاح اقتصادي أن ينجح ما لم يُغلق هذا الباب الواسع للهدر. ويتطلب ذلك شفافية في إدارة المال العام، وتفعيل الأجهزة الرقابية، ومساءلة فعلية للمخالفين مهما كانت مواقعهم.
أحد الحلول يتمثل في استعادة موارد الدولة السيادية، سواء من القطاعات النفطية أو الجمركية أو الضريبية. فالدولة التي لا تتحكم في مواردها لا تستطيع رسم سياسة مالية مستقرة. إن إعادة تنظيم هذه الموارد وتحصيلها بكفاءة سيمنح الحكومة قدرة على تحسين الخدمات، ودعم العملة، ورفع مستوى الرواتب بصورة تدريجية ومدروسة.
من المهم إعادة النظر في الموازنة العامة وفق رؤية واقعية توازن بين المؤسسات الخدمية والمؤسسات الإيرادية. فالمؤسسات الخدمية - كالصحة والتعليم والكهرباء والأمن - تمثل عصب الحياة اليومية، لضمان استمرارها بكفاءة مع ترشيد نفقاتها دون المساس بجوهر خدماتها. في المقابل، هناك مؤسسات إيرادية تضخم هيكلها الإداري بشكل مبالغ فيه، ما يستدعي إعادة هيكلة تقلص النفقات التشغيلية غير الضرورية وتوجيه الموارد نحو الإنتاج والتنمية.
كذلك ينبغي أن تبنى سياسة أجور عادلة تربط الرواتب بمؤشرات واقعية لسعر الصرف ومستوى الأسعار، حتى لا يبقى الموظف رهينة تقلبات لا يملك التأثير فيها. فاستقرار المجتمع يبدأ من ضمان حد أدنى كريم للعيش.
في المحصلة، إن تحسن العملة خطوة إيجابية، لكنه ليس غاية في ذاته. القيمة الحقيقية لأي تحسن اقتصادي تقاس بقدر ما ينعكس على حياة الناس. وما لم تترافق مؤشرات التعافي النقدي مع إصلاح مؤسسي شامل، واستعادة للموارد، ومكافحة جادة للفساد، فسيبقى المواطن ينتظر انفراجاً لا يصل.
الإصلاح الحقيقي يبدأ حين تصبح كرامة الإنسان واستقراره محور السياسات، لا مجرد أرقام في تقارير مالية، حتى لا يبقى الموظف رهينة تقلبات لا يملك التأثير فيها. فاستقرار المجتمع يبدأ من ضمان حد أدنى كريم للعيش.
