وفي هذا السياق، تمثل مبادرة الهيئة العامة لحماية البيئة خطوةً مهمة تتجاوز مجرد زراعة شجرة، لتجسد مفهوماً أوسع يقوم على حماية البيئة واستعادة توازنها. فقد كان نبأ رحيل شجرة “قمحين” (Cucumber Tree) صادماً ومؤلماً؛ لم يكن خبراً عابراً، بل وجعاً سكن قلوب كل من عرفها أو مرّ بها. تلك الشجرة التي عاشت سنوات طويلة فوق صخرة قاسية، تقاوم الجفاف، وتصمد في وجه الأعاصير والرياح، حتى غدت رمزاً حياً للصمود والثبات.
لم تكن “قمحين” مجرد شجرة، بل كانت جزءاً من روح المكان. وقفت شامخة على الطريق بين حديبو والمطار، تستقبل الزوار بصمت مهيب، وتخلّد حضورها في عدساتهم وذكرياتهم. كانت تروي، دون كلمات، قصة أرضٍ لا تنحني رغم قسوة الظروف. لكن لحظة رحيلها كانت قاسية؛ إذ سقطت وكأن شيئاً عظيماً قد انكسر، وغاب مشهد ظل راسخاً في وجدان الناس لسنوات.
ورغم هذا الحزن، جاءت مبادرة إعادة زراعتها في موقعها ذاته، فوق الصخرة وحولها، لتمنح القصة بُعداً جديداً. فهي ليست مجرد محاولة لإحياء شجرة، بل رسالة عميقة تؤكد أن حماية البيئة لا تقتصر على منع التدهور، بل تشمل إصلاح ما تضرر، وتعزيز قدرة الطبيعة على التعافي. كما تعكس هذه الخطوة وعياً متزايداً بأهمية الحفاظ على النباتات المحلية التي تشكل جزءاً أصيلاً من هوية سقطرى.
إن هذه المبادرة تحمل في جوهرها دعوة صريحة إلى المجتمع ليكون شريكاً فاعلاً في حماية البيئة؛ فالأثر الكبير يبدأ بخطوات بسيطة، كغرس شجرة أو نشر الوعي. وفي ظل التغيرات المناخية التي تهدد استقرار الأنظمة البيئية، تغدو مثل هذه الجهود ضرورة لا خياراً.
في النهاية، تمثل قصة “قمحين” بداية جديدة بقدر ما هي نهاية مؤلمة. رحلت الشجرة، لكن رسالتها باقية: أن الصمود ممكن، وأن الطبيعة قادرة على أن تبدأ من جديد متى ما وجدت من يحميها ويرعاها. إنها دعوة مفتوحة للجميع لنكون جزءاً من هذه الحكاية، لا بالحزن فقط، بل بالفعل.. بحماية كل ما يمنح الحياة توازنها وجمالها.
*مستشار الهيئة العامة لحماية البيئة - سقطرى
