إذ أن الشخص المتسم بهذه المزية المرضية - ويا كثرهم من حولنا ممن أدمنوا العيش في بئر (النفاق) - على استعداد تام أن يغيّر جلده بجلود أخرى ليركب كل المراكب، فلا مبادئ أخلاقية يحملها (المنافق) كما يدعي هو، ولا قيم إنسانية يميل إليها. تجده منشغلا بتلميع ضيق ذاته المرضية بعيدا عن جماليات المألوف والمعقول الجمعي الذي يدّعي حمله زيفا وتدليسا. وها نحن نلحظهم جاهزين، مشمّرين، متأهبين في كل مرحلة لتدريب ألسنتهم مجددا على ممارسة تجديد القبح.
المنافقون - يا سادتي - حالهم حال الذباب مقززين، يتواجدون في كل الأمكنة، ويتكاثرون في جميع المراحل، ففي أودية المصالح تجدهم يهيمون ولا يخجلون. فشخصياتهم ضعيفة هزيلة غير ثابتة، فإن مالت الريح يمينا أو شمالا مالوا إلى حيث مالت. يمارسون خلافا لما يقولون، مذبذبون.. في قلوبهم مرض، ويظهرون خلافا لما يبطنون، حتى أنهم تجاوزوا ببشاعة ممارساتهم (الميكافيلية) (سياسة فن الممكن)، ومن مزاياهم الظاهرة الجهر بمعاداتهم للآخرين، ويصوّبون خناجر حقدهم إلى مواطن الأوفياء من الأسوياء من الناس. هكذا ننظرهم.. عاشوا ويعيشون أعداء لكل نتاج بديع وجهد رفيع سجّل في ذاكرة الجمال.
ومعروف عن الشخص (المنافق) أنه يمتلك قدرات حسية ومؤهل (جينيا) بملكات متشيطنة، يجيد فنون الخداع ولغة المسكنة بملامح مصطنعة لا تخلو من وضع المساحيق والأزياء التنكرية على طرق أساليبه، لا سيما في لحظة (الضعف والخسران) على سبيل التأثير والإقناع بعقلية الذئاب الماكرة.
ومن مزايا النموذج المنافق أنك تسمعه خطيباً بليغاً في لحن الصوت حينما يحدثك عن منازل الفضيلة، ومبدعا مؤثرا في سرد محازي الخير، كما تتملكه نزعة عدوانية لممارسة الكره، والحسد، والبغضاء، والتلفيق تجاه كل شيء جميل، وبطرق قذرة. حيث تلحظه أيضا - أي المنافق - يميل كل الميل إلى معابر الدس والفتنة والكذب والتشويش على سبيل الانتقاص من نجاحات الآخرين الظاهرة لكل ذي عينين، فيخيل لك بأفعاله الغريبة الممجوجة غير السوية كأنه قد رضع من أنثى الخنازير.
وتظل سلالة النفاق من (تملق وكذب وتدليس وخداع) ظاهرا وباطنا، من الأوصاف المنبوذة والمستهجنة في حياة الناس عبر كل العصور، كون هذا الأسلوب الأرعن جاء مبنيا على مقاييس الغش الذي ما أنزل الله به من سلطان.
