ما الذي أبقيتموه لنا كي نُصدق دعواكم بأنكم أحرص منا على حياتنا؟
الراتب المخزي لم يعد وسيلة عيش كريمة، بل أداة اختبار قاسية لمرونة المواطن في التكيّف مع المستحيل. تُقال الوعود بلهجة مطمئنة، وتُصاغ الكلمات بعناية، لكنها لا تشتري خبزًا، ولا تشبع جوعًا، ولا تسدد إيجارًا، ولا تحمي أسرة من الانزلاق التدريجي نحو العوز. فالوعود، مهما بدت براقة، لا تعوّض ما فعلته العملة حين انهزمت أمام السلعة، ولا تُقنع بطونًا لم تعد تصبر على الخطاب.
المفارقة الأكثر إيلامًا أن تحسّن العملة المحلية – حين حدث – لم يكن لصالح المواطن، بل ضده. ارتفعت قيمتها في نشرات الأخبار، بينما واصلت أسعار السلع صعودها في الأسواق. مشهد يناقض الفطرة وقوانين الحياة والاقتصاد معًا: تحسُّن نظري على الورق، وتدهور عملي في الواقع. وكأن السوق يعمل بمنطقٍ موازٍ، لا يعترف بالسياسات النقدية، ولا يأبه لحياة الناس.
الحكومة الجديدة وعدت، والناس انتظرت. لكن تلك الوعود ما زالت حبيسة التصريحات، لم تُؤتِ أُكلها على موائد البسطاء، سوى عبر حملات ترويج إعلامي تُتقن فن الإقناع اللفظي، والضحك الناعم على الذقون. لا سياسات واضحة لضبط الأسعار، ولا رقابة حقيقية تكبح جشع التجار، ولا إجراءات تُشعر المواطن أن هناك دولة تحميه، لا مجرد سلطة تخاطبه من خلف الشاشات.
السؤال الجوهري لا يزال معلقًا، بلا إجابة:
متى يتساوى دخل الفرد مع حاجته الحقيقية لاستيفاء متطلبات الحياة ولقمة الكفاف؟
متى يصبح الراتب جسر أمان لا عبئًا نفسيًا يُستنزف في الأسبوع الأول؟
ومتى تُدار العلاقة بين الأجر والسلعة بعقل الدولة، لا بعشوائية السوق المنفلت؟
إن معركة المواطن اليوم ليست سياسية ولا أيديولوجية، بل معركة بقاء صامتة. الراتب في جهة، والسلع في جهة أخرى، وبينهما مواطن يحاول أن يُمسك بتلك الشعرة الرفيعة حتى لا يسقط. لكن شعرة معاوية، مهما بلغت من المرونة، لا تتحمل هذا الشدّ إلى ما لا نهاية.
فالاستقرار لا يُقاس بعدد المؤتمرات ولا ببلاغة التصريحات، بل بقدرة الراتب على أن يملأ سلة غذاء، ويؤمّن دواء، ويمنح الإنسان حقه الطبيعي في العيش بكرامة. وما دون ذلك، يظل مجرد كلام… لا يُشبع جائعًا، ولا يُقنع صابرًا، ولا يُنقذ شعرةً أوشكت أن تنقطع.
