في رمضان، تتغير مواعيد كل شيء… إلا السياسة.
السياسة لا تصوم، ولا تفطر، ولا تعترف بحرمة الشهر. تدور بذات اللغة، وذات الوعود، وذات التبريرات الجاهزة. وحده المواطن يُطالَب بضبط أعصابه، وابتلاع غضبه مع لقمة الإفطار، وكأن الكرامة بندٌ مؤجل لما بعد العيد.
أما الكهرباء، فقد تحسّنت هذا الموسم بتوفّر مادة الديزل، وهذا واقع لا يمكن إنكاره.
لكن التحسّن وحده لا يكفي، لأنه تحسّن قائم على الوقود لا على الحل. المحطات تعمل فوق طاقتها، الشبكات مرهقة، والكابلات القديمة تختنق تحت الضغط العالي. ومع اقتراب الصيف، لا يريد الناس سماع أعذار عن “الأحمال”، ولا مشاهدة كابلات تنفجر ثم يُطلب منهم التفهّم. ما يريدونه بسيط وواضح: معدات تضمن الاستمرار، وصيانة تمنع الانقطاع، وكهرباء لا تعود لتغيب عند أول اختبار حرارة.
الكهرباء ليست حالة موسمية، ولا إنجازًا إعلاميًا.
هي استقرار يومي، وحق، ومعيار جدّي لاحترام الناس. فحين يكون الضوء رهينة التبرير، تصبح الثقة هي أول ما ينطفئ.
والراتب؟
يدخل رمضان مترددًا، إن دخل. لا يقوى على مواجهة الأسعار، ولا يجرؤ على تغطية احتياجات شهر يُفترض أنه شهر رحمة. هنا تتحول الكرامة من مفهوم كبير إلى تفاصيل صغيرة: فاتورة، سلة غذاء، وابتسامة مجتهدة أمام الأطفال.
ورغم كل ذلك، يصرّ الناس على الحياة.
يصرّون على طقوسهم، وعلى موائدهم المتواضعة، وعلى التمسك بروح رمضان كفعل مقاومة صامتة. يسخرون أحيانًا من واقع يعرفون أنه لا يليق، لكنهم يواصلون العيش لأن التراجع ليس خيارًا.
رمضان لا يطلب معجزات.
يطلب فقط صدقًا مع النفس:
أن تكون السياسة في خدمة الإنسان،
وأن تكون الكهرباء حقًا مستقرًا لا وعدًا مؤقتًا،
وأن يكون الراتب كافيًا للعيش لا مجرد رقم، وأن تكون الكرامة ممارسة يومية لا شعارًا موسميًا.
رمضان كريم…
حتى وإن كانت بقية الأشياء ما زالت تبحث عن كرامتها.
