عُرف عن الحضارمة هجرتهم من القرى والمدن إلى كل أصقاع العالم، وخاصة تنزانيا وماليزيا ومقديشو ودول الخليج، وكان للمملكة العربية السعودية نصيب الأسد للحضارم، وهذا شيء قد بحثه الكتّاب والباحثون بدراسات مستفيضة. فالهجرة حق لكل إنسان على هذه الأرض ليطلب رزقه ولو خاض عباب البحر وتعرّض للأهوال والأخطار، ولربما مات بعضهم في منتصف الطريق. وللحضارم قصص كثيرة وبعضها عجيبة، فلي جار من (السواحل) وهي كلمة تطلق على من يهاجر شرق أفريقيا، حيث تزوج جده امرأة من هناك وأنجبت أمه التي كنت أظن بأنها حضرمية أب وأم، فسبحان الله قصتهم عجيبة تستحق أن نكتبها لو وجدنا فرصة بإذن الله.
والسواحل كما يذكر صديقي عبدالعزيز قرنح هم: شرق أفريقيا (تنقانيكا، دار السلام، زنجبار، وبمبا، الجزيرة الخضراء - تنزانيا حالياً، كينيا، ممباسا، أوغندا، كمبالا وجزر القمر).
ولكن ما يثير الدهشة والحيرة ما يحصل خلال السنوات الأخيرة من هجرة داخلية من القرى الريفية إلى المدينة (المكلا أنموذجاً)، ولربما تحديداً العشر السنوات منذ عام ٢٠١٦م حتى ٢٠٢٦م حصلت هجرة داخلية مخيفة ومرعبة، خاصة وأنا أشاهد تلك الهجرة.. قرى محيطة بي، تنزح بيتاً بيتاً في كل سنة حتى صارت خاوية على عروشها إلا من بيوت قليلة، تتلفت يمنة ويسرة وتجد أطلال بيوت ينعق فيها الغراب، هجعت تلك الأصوات الجميلة وبقيت تلك القرى بمزارعها وأشجار السدر ساكنة تلبس ثوب الحداد حزناً شديداً على من غادرها بغير عودة.
في قريتي حصلت أيضاً هجرة مرعبة ومخيفة، بيوت تغادر سكناها بغير رجعة، فقلت ضاحكاً لبعض من غادرنا: أنتم البدو مستعجلين عليها؟!! فضحك وعرف المغزى ولكنه رحل من غير رجعة، وكنت أقصد قيام الساعة. البدو الحفاة العراة يتطاولون في البنيان، هذا ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ما حصل فعلاً وهي من علامات الساعة.
فالهجرة الداخلية للحضارم حصلت لعدة أسباب جوهرية، منها صعوبة العيش في الريف، خاصة وأن الوظائف لا توجد إلا بالمدن. ثانياً قلة الخدمات خاصة الطرق وبالذات الطريق القبلية التي وعدت عدة حكومات متعاقبة بسفلتتها من سنوات طوال، ولم يحصد المواطن سوى وعود عرقوب. ثالثاً صعوبة التنقل بين القرى في ظل غلاء فاحش والوصول للمدارس يزيد الطين بلة. وأخيراً صعوبة الوصول للمستشفيات إلا بشق الأنفس، فعليك أن تقطع خمسين كيلومتراً حتى تصل أو لا تصل بمريضك في طريق غير معبدة. وأسباب أخرى لا حصر لها، ولكن هذه أهمها.
العجيب والغريب أن الهجرة الداخلية في ظل ظروف معيشية صعبة للغاية كيف حصلت ولماذا؟! فهذا ما يحيرني! ذهب البعض للسكن بالإيجار والبعض الآخر بنى له بيتاً يسكنه، والأخير طلق القرية بالثلاث فلا أمل يُرجى لعودته، ولربما صاحب الإيجار يعود يوماً ما لعشه إذا هزه الشوق إليها.
كنت ممن يعشق الترحال، فذهبت لحاجة إلى قرية مجاورة فوجدتها خاوية على عروشها إلا من بدوي متنقل سكن مكانهم مؤقتا، نظرت لقرية مجاورة له فقال: أهل هذه القرى كلهم نزحوا إلى المكلا، وهذه أيضاً التي أسكنها وتلك التي خلف هذا الجبل كلهم غادروا في سنتين فقط، ولم تبق إلا بيوتهم أطلالاً وذكريات بالية كأنها تقول: كانوا هنا بالأمس تسمع ثغاء الشاة ونباح الكلب وصراخ الديك ونعيق الراعية وغناء أهل القرية وصوتهم الذي يملأ الآفاق، تسمع النسوة عند صراب المحصول والسبول وهن يرتجزن بالغناء الجميل ويساعدهن الرجال وهم يرددون (من معه مدين حب ما يعوّل بالتعب)، كل ذلك اختفى فجأة وإلى غير عودة.
كادت عيني تدمع لهذا الأمر المخيف، ذهبت لقريتي وأنا أنظر للجبال والسهول والأودية وهي صامتة وكأنها تلبس ثوب الحداد، لا أصوات تسمع لا راعية ترى إلا في النادر، البقية تفكر في الرحيل لتلحق بالركب وتغلق الستار على قرى كانت بسكانها تعج والآن خاوية على عروشها ينعق على كل بيت فيها الغراب.. فهل من عودة يوماً ما؟!
