تلك المخاتلة ذهبت بالفرص أدراج الرياح، وراحت الآمال والأفكار الخلاقة تتوارى خلف حجاب سميك من الانعزال واليأس. لم يتراجع القوم عن غيهم إلا بعد أن فرض العالم عليهم حواراً كانت نهايته فاجعة حتى وإن راوغ البعض في تقييمه، فهو لم يخلُ من الكواليس والتآمر والخداع والانقلابات بين الأطراف المشاركة فيه وداخلها. ثم انتهى إلى ما انتهت إليه كثير من الحوارات التي انعقدت خلال عقود كثيرة.... انتهت على الحرب والقتل والدمار.
أتذكر أني قبل انطلاق حوار “موفنبيك”، برعاية عصابة الثمانية عشر، بعثت بمقال إلى مدير صحيفة تحرير “صحيفة تقدمية جداً”، أعربت فيه عن مخاوف مشروعة من النتيجة التي قد يفضي إليها هذا الحوار، الذي كما قيل (السماء سقفه)، وفي الحقيقة ضاق به سقف غرفة مظلمة لم يزد ارتفاعه عن ثلاثة أمتار.
مشكلة مدير تحرير الصحيفة (التقدمية) تلك أنه ورث من التقدمية أن (التقدميين جداً) لا يشق لهم غبار في سبر غور الحقيقة لأنهم يملكونه في حالتها المطلقة، واعتبر أن مقالي لا يخرج عن كونه (هرطقة) انفعالية بعيدة عن الواقع. وهكذا وبدلاً من نشر الموضوع باعتباره يمثل وجهة نظر قد لا تتفق مع رؤية صحيفته، ولكنها تمتلك الحق في النشر والمجادلة والنقاش والإثراء والنقد والتقويم والرد والتصويب. بدلاً من نشر المقال كترجمة لمناداة الصحيفة نفسها بالديمقراطية وحرية التعبير ذهب يناقشني عبر الهاتف عن سبب استنتاجي بمآل الحوار، وما هي الفلسفة التي بنيت عليها رأيي وأسئلة لا تعبر عن روح صحفي باحث عن الفكرة وتدفقاتها بل تعبر عن عقلية لا تمت للديمقراطية والحرية بصلة.
في يوليو 2022، نشرت مقالاً بالتزامن مع الدعوة لحوار جنوبي-جنوبي بعنوان (في الحوار الجنوبي.. ما المطلوب الحوار السياسي أم المناطقي؟). وقلت فيه بوضوح: تكمن المشكلة “في أنّ الجنوبيين، ومثلهم الشماليون، كلما اجتمعوا خرجوا أكثر تشتُّتًا مما كانوا عليه. فلم يفلح مؤتمر القاهرة في جمع المتناقضات الجنوبية، ولم يستطع أن يُلغي أو يتجاوز طبيعة تلك التناقضات، لأنّ القائمين عليه تجنبوا البحث في أسباب مشكلات الجنوب الذاتية وألقوا باللائمة على مبني للمجهول...”.
لقد اعتقدت - ولا زلت أعتقد - أن الحوار المسلوق والحوار بالأمر المحدد النتائج مسبقاً لن يبني دولة شمالاً أو جنوباً. حينها نوّهت أن “الحوار السياسي يعني في الأساس الحديث عن الدولة وعن مؤسساتها. وهو يعني أنّ هذا الحوار هو جدل حيوي بين برامج سياسية قابلة ليس فقط للتحقيق في الواقع، ولكن قابلة للنقد والتعديل والحذف والإضافة والتصحيح. ويعني كذلك أنّ المتحاورين هم أطراف نِدّية تتكئ على فلسفات ورؤى وقواعد شعبية مدنية”، “بينما يعني الحوار المناطقي البحث في جذور الصراع بين مناطق معلومة حول وَهْم الحق في الهيمنة والتفرد بالسلطة والاستئثار بالثروة، ويعني بتفنيد الإقرار بحق هذه المناطق بالفيد وممارسة جزء من السلطة حسب وزنها النوعي وما تحت تصرفها من ميليشيات وسلاح وموارد مالية على حساب غالبية مناطق البلاد”.
ولأن الشمال والجنوب مثقلان بمشكلاتهما الهيكلية والثقافية والسياسية والاجتماعية، فكان لا بد من بناء حوار متعدد المستويات، بدلاً من حوار عام يجمع كل المتناقضات التي لا يمكن لها ولا تمتلك حق اتخاذ القرار. أي حوار جنوبي-جنوبي وحوار شمالي-شمالي، قبل أن يتوج بحوار شمالي جنوبي مهمته التوصل لحلول توافقية أو مرضية للطرفين.
نرى أن “حل القضية الجنوبية في جزء كبير منه مرتبط بترتيب البيت الجنوبي نفسه وليس ببيت الجيران”، وكذلك الحال بالنسبة للوضع في الشمال. المخاوف اليوم في أن يذهب البعض نحو حوار الدفاع عن النفس، بينما يذهب الآخر لإثبات وجوده وجدارته، مع غياب المشاريع السياسية التي يمكن أن يتحاور عليها الفرقاء.
هامش:
ما بين القوسين من مقال: في الحوار الجنوبي.. ما المطلوب الحوار السياسي أم المناطقي؟ صحيفة عدن الغد، 24 يوليو 2022.
