هل حان الوقت فعلا لاستعادة الدولة من خلال دعم الشرعية، ووضع حد لحالة الفوضى وتعدد السلطات التي أنهكت اليمن طوال السنوات الماضية؟
خطاب الرئيس كان واضحا في تحديد طبيعة المرحلة، وفي التأكيد على أن المعركة القادمة هي معركة استعادة الدولة وإخضاع الحوثيين لسلطة الدولة، بدعم من المملكة العربية السعودية والتحالف الداعم للشرعية.
وهذه المعركة، في تقديري، ليست معركة طرف سياسي ضد طرف آخر، بل معركة وطنية مصيرية لاستعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها وسيادتها.
نحن لا نريد إلغاء دور أي مكون سياسي، ولا ندعو إلى إقصاء أي طرف، لكن على الجميع أن يدرك أن العمل السياسي شيء، وفرض سلطة الأمر الواقع شيء آخر. فلا يمكن بناء دولة في ظل وجود قوى تفرض سلطتها خارج مؤسسات الدولة، أو تمتلك تشكيلات عسكرية وأمنية لا تخضع لسلطتها، أو تعمل على تعطيل استعادة مؤسساتها.
لقد كانت مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، بما حملته من توافقات، محاولة حقيقية لإخراج اليمن من دائرة الصراع، وكان مشروع الدولة الاتحادية هو الحل الذي يمكن أن ينقل اليمن من صراع الوحدة والانفصال إلى صيغة جديدة تحفظ وحدة البلاد، وتمنح الأقاليم والمناطق حق إدارة شؤونها، وفي الوقت نفسه تبقي على دولة اتحادية قوية تتولى الملفات السيادية وتحفظ وحدة البلاد وأمنها ومصالحها العليا.
اليوم، لا نحتاج إلى إعادة إنتاج صراعات الماضي، ولا إلى استبدال سلطة بأخرى، وإنما نحتاج إلى استعادة الدولة.
نريد دولة تستعيد سيطرتها على مواردها وإيراداتها، وتحارب الفساد، وتعيد تصدير النفط، وتبني اقتصادا وطنيا قادرا على توفير الرواتب والخدمات، وتعيد للمواطن ثقته بمؤسسات الدولة.
نريد دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، ولا يكون فيها السلاح وسيلة لفرض المشاريع السياسية، ولا تكون فيها المناطق ساحات نفوذ تتصارع عليها القوى.
إن معركتنا مع الحوثي هي معركة مصير، لكن نجاحها لن يكون ممكنا إذا بقيت الدولة نفسها ممزقة بين مراكز نفوذ متعددة. فاستعادة الدولة تبدأ بتوحيد القرار السياسي والعسكري والأمني، وبإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، ووضع الجميع تحت مظلة القانون.
لقد دفع اليمنيون ثمنا باهظا منذ الانقلاب على مخرجات الحوار الوطني، ومنذ اندلاع الصراع في عام 2015. سنوات من الحرب والانقسام والدمار، تراجعت خلالها الدولة، وتدهورت الخدمات، وتوقفت عجلة الاقتصاد، وأصبح المواطن هو الضحية الأولى لكل هذه الصراعات.
واليوم، إذا كانت هناك إرادة حقيقية لإنهاء هذا الوضع، فإن الفرصة متاحة أمام الشرعية لتعيد ترتيب البيت الوطني، وتجمع مختلف القوى حول مشروع واحد: مشروع استعادة الدولة وبناء الدولة الاتحادية.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل تستطيع الشرعية أن تلم جراح الوطن، وأن تجمع اليمنيين حول مشروع وطني يتجاوز صراعات الماضي، ويضع مصلحة الدولة فوق مصالح القوى والمكونات؟
إنها لحظة اختبار حقيقية للجميع.
فالتحالف الداعم للشرعية يمكن أن يكون شريكا أساسيا في معركة استعادة الدولة، لكن المسؤولية الأولى تقع على اليمنيين أنفسهم، وعلى القوى السياسية أن تدرك أن استمرار التشرذم وتعدد السلطات لن يؤدي إلا إلى إضعاف الجميع.
نحن بحاجة إلى دولة واحدة، ومؤسسات واحدة، وقرار سيادي واحد، وجيش وأمن يخضعان للدستور والقانون.
إن استعادة الدولة ليست شعارا سياسيا، بل هي الطريق الوحيد لإنقاذ اليمن من التفكك، وإخراج شعبه من دائرة الحرب والفقر والصراع.
فهل تكون هذه المرحلة بداية لاستعادة الدولة، أم سنظل ندور في الحلقة نفسها، نعيد إنتاج الصراع بأسماء جديدة وأدوات جديدة؟
اليمن اليوم بحاجة إلى مشروع ينقذ الدولة، لا إلى مشاريع تتقاسم ما تبقى منها.
