شهد اليمن عبر تاريخه تباينا في طبيعة إدارة المجتمع بين الدولة والقبيلة. وهو واقع ما زال يفرض نفسه حتى اليوم في ظل التحولات السياسية والأمنية التي تمر بها البلاد. ومع استمرار هذه التحديات، يبرز سؤال يطرحه كثير من المواطنين: هل تتجه اليمن نحو ترسيخ دولة القانون والمؤسسات، أم سيستمر اعتماد المجتمع في بعض القضايا على الأعراف القبلية إلى جانب مؤسسات الدولة؟
في الماضي، اختلف المشهد بين شطري الوطن. ففي شمال اليمن، برزت القبيلة بوصفها قوة اجتماعية وسياسية مؤثرة، وكان حضورها واضحًا في إدارة العديد من شؤون المجتمع، خاصة في المناطق التي كان فيها نفوذ الدولة محدودًا. أما في جنوب اليمن، فقد اتجه النظام آنذاك إلى ترسيخ سلطة الدولة ومؤسساتها، وأصبحت القوانين والأجهزة الرسمية المرجعية الأساسية في إدارة الشأن العام.
واليوم، وبعد عقود من التحولات والصراعات، يعود هذا السؤال إلى الواجهة بصورة أكثر إلحاحا: من سيقود المرحلة القادمة؟ وهل ستكون الكلمة لمؤسسات الدولة وسيادة القانون، مع استمرار الدور الاجتماعي الإيجابي للقبيلة، أم ستبقى المرجعيات متداخلة بما ينعكس على استقرار المجتمع؟
لا أحد ينكر اليوم المكانة التاريخية والاجتماعية للقبيلة، فقد كانت ماضيا وحاضرا وما زالت ركيزة أساسية في المجتمع اليمني، وأسهمت عبر عقود في حفظ الأمن الاجتماعي في البلاد وإصلاح ذات البين بين الفرقاء وحل كثير من النزاعات، والمحافظة على النسيج الاجتماعي، خصوصا في الفترات التي غابت فيها مؤسسات الدولة أو ضعفت. وهذه أدوار وطنية مشهودة تستحق التقدير والاحترام لكافة مشايخ وأعيان ووجهاء القبيلة اليمنية.
وفي المقابل، فإن بناء الدول الحديثة واستقرارها يتطلبان مؤسسات قوية، وقضاءً مستقلًا، وعدالةً تطبق على الجميع دون استثناء. وتبقى الأدوار الاجتماعية للقبيلة مكملة لقيام دولة قوية ومؤسسات فاعلة، لا منافسة لها ولا بديلًا عنها. فالدولة العادلة لا تتعارض مع القيم القبلية الأصيلة، بل تستفيد منها في تعزيز التماسك المجتمعي وترسيخ الأمن والاستقرار.
ويعيش المواطن اليمني اليوم حالة من الترقب، فهو يتطلع إلى مرجعية واضحة يشعر في ظلها بأن حقوقه مصانة بالأسلاف والأعراف القبيلة وكذلك بالقانون، وأن العدالة تطبق على الجميع دون تمييز. فاستقرار الأوطان لا يتحقق إلا عندما تكون المرجعية واحدة، ويكون العدل والقانون فوق الجميع، مع بقاء القبيلة شريكًا وطنيا داعما للاستقرار والتنمية.
إن مستقبل اليمن لا يحتاج إلى مفاضلة بين الدولة والقبيلة، ولا إلى صراع بينهما، بل إلى علاقة تكامل تقوم على احترام الدولة للموروث الاجتماعي والقيم القبلية الأصيلة، واحترام القبيلة لسيادة القانون ومؤسسات الدولة. فكلما كانت الدولة قوية وعادلة، كانت القبيلة سندا لها، وكلما تعاون الطرفان على خدمة الوطن، اقترب اليمن من مستقبل يسوده الأمن والعدل والاستقرار.
إن اليمن اليوم بحاجة إلى دولة تحترم القبيلة، وقبيلة تساند الدولة، حتى يسير الجميع تحت مظلة القانون، وتصان الحقوق، ويكون الولاء للوطن فوق كل اعتبار.
