هدم الوعي من خلال تحريك التمرد كقوة محركة نحو الصدام والتشرذم



- بعض الأفعال والأفكار تلعب أخطر الأدوار في تخدير عقول العامة عبر تسويق الأوهام كأنها هي الحقائق
- حالات التمرد عند الجماهير تظل العنصر الفاعل في دفعها نحو إسقاط الهدف المطلوب ومن الصعب على القيادة السياسية حرف الجماهير عنها
- الحروب ليست هي ما يهزم الدولة بل وصولها إلى مرحلة تقسيمها إلى عدة كيانات متصارعة فيما بينها من الداخل
- السلاح حين يصبح في يد الجماهير تصبح عملية محاربتها خاسرة لأن السلاح في قبضة الأمة لا يعرف حدوداً لقوة انفجاره

14 أكتوبر / خاص :
نجمي عبدالمجيد :
ليست الجماهير قوة واحدة في الادراك ومستوى العمل، بل هي تقلبات وأهواء وحالات لا يمكن حصرها في زاوية محددة والانفراد بها.
لذلك تصبح مسألة تحديد نوعية وعيها غير مرتبطة بوضعية قد يرى فيها البعض استمرارية على نفس الاتجاه حتى تصل إلى الغاية المطلوبة.
ولأن السياسة ليس لها وجه واحد، كذلك هي الجماهير التي قد تنتقل في لحظات من المطالبة المشروعة إلى أعمال الفوضى؛ لأن الانقسامات في الرأي من عوامل صنع الاتجاه السياسي في الشارع.
وفي ساعات الرهان على القضية أو الزعامة ربما تدخل مفارقات ورهانات وأزمات ومواقف تعيد قلب الحسابات فتسقط مبادئ، وتذهب تضحيات، ورجال يبيعون مواقفهم، وتتغير صور المشهد، بل تعود إلى أوضاع من الغدر وبيع الكلام وهذا ما يطلق عليه هزات أرض السياسة.
بين كل هذا تخرج الفوضى من خفايا الأنفس والمشاعر لتصبح هي من يقود الأحداث، وهذا يدل على ان الأمور لن تصل لما كان يرجى منها.
في السياسة حين يفقد الاتزان في السيطرة، وضعف القيادة، لا تدخل غير الفوضى التي قد يرى فيها أكثر من جانب، الساحة التي سوف يلعب فيها وهنا تظهر أساليب ربما تكون قاتلة ومدمرة حيث يذهب ما كان رهاناً على النجاح والنجاة إلى طرق مخربة.
بل حتى الجماهير التي دخلت الساحات تحمل هدفاً واحداً ان ظلت دون الوصول إليه فقد تذهب بها الأهواء والاحباط إلى منعطفات تفرق فيما بينها، وتغرق في دوامة من الخلافات حول نوعية القيادة، والغرض السياسي يجعل القضية مجرد تكسب لكل فئة تسعى لجعل المشهد في مرماها.
هناك من يرى من علماء السياسة فوضى الجماهير، أن الوحدة الجغرافية لوعي الأمة لا تقف عند حدود المطالب بما ترى فيه حقوق الشعب، فان مر الوقت دون حل وان ظلت تلك المطالب في دائرة الانتظار وفقدان الحلول، تصبح نفسيات العامة جاهزة للذهاب نحو أساليب الجريمة وهو ما يعرف سياسياً باسم جرائم الجماهير. واطلاق الفوضى تكون بداية التصعيد ولعل تلكك الشارع السياسي في وقت تصاعد الأزمات يكون المدخل الأول في خلق المناخ العام في قيادة الأمة نحو هذا الجانب.
لكن ما هو أخطر في الأمر حالات الانفلات الأمني التي تصاحب الوضع العام. وهناك ما هو أخطر في هذا، وجود السلاح في يد الجماهير وحين تصل إلى لحظات الهيجان العاصف فهي لا ترى في القيادة إلا في السلاح ومن له القدرة على المواجهة، وهذه وضعية ان وصلت لها الجماهير تكون قضية السيطرة عليها تحت قيادة سياسية من جديد مسألة صعبة؛ لأن الوعي الجماهيري الذي ظل لوقت في الساحات يطلب عبر الطرق السلمية قد أدركه العجز، ولم يعد هو لغة الحوار مع الطرف الآخر، وهنا تظهر بداية الحرب الأهلية التي يكون أكثر من طرف قد استعد لها عبر جعل السلاح هو الحل الوحيد في هذا الأمر. والوصول إلى هذه الدرجة من العجز في العمل السياسي يدل على أن الجماهير حين تحركت ونزلت إلى الشوارع لم تكن قد رسمت مشروعها السياسي عند مستوى من الوعي والادراك بل تركت الشعارات والحماس وغيرها من أساليب الفوضى للقوى المتحكمة في مسار الأمور.
ليست الحروب هي ما يهزم الدولة بل تقسيمها إلى عدة كيانات متصارعة فيما بينها من الداخل.
لأن السيطرة لطويلة على الوضع تقود إلى حرب محرقة ليس في مقدرة القوة القاهرة على الاستمرار فيها.
لكن ليس من المفروض ان تقود الصراعات الداخلية إلى خلق وحدات منقسمة أو دويلات لكل منها سيادة، ولكن من الممكن ان تظل في اطار جغرافي واحد لكنها متشردة متناحرة، وهذا ما وصلت له اليمن وعدة دول في المنطقة، دائمة الحروب.
وهذا في حد ذاته صناعة لمجتمعات تظل في دائرة الدمار المستمر، بل هي في هذا الوضع في خطر قوي يحرق كل ما يحيط به.
وقد وقعت عدة دول في هذا الوضع لانها مازالت تظن ان القوة هي آلية السيطرة الوحيدة.
لكن تواصل الحروب الأهلية يوصل الدول إلى حالة عجز في انتاج قيادة توحد الأمة، بل يذهب بالجماهير إلى حدة في التعامل مع كل موقف إلى حد الجريمة في الشارع السياسي. ولأن استمرارية الصراعات تدخل المجتمع في أمراض نفسية ليس من السهل تجاوزها حيث تتصاعد الرغبة في جعل كل جزء متشرذم دويلة وكياناً يحمل شعور السيادة وان هذه الاستقلالية لا تصبح موطناً حاضراً في الوجدان إلا بحضور السلاح، وهو هنا قوة فكرية راسخة في العقيدة القتالية حيث يصبح الاحساس بمنطق العنف هو لغة التخاطب ليس مع الغير بل مع أفراد من صنف الانتماء الواحد.
وحين يتعمق هذا الشعور عبر حقب ومراحل في ضمائر الاجيال يصبح هو الهوية والانتماء، وينغرس وضعه الفردي عند الجماعات حتى يرتفع على كل الولاءات حتى فوق الوطن.
وحين تصل الأمور إلى درجة قتل الهوية الوطنية يصبح من الصعب فرضها مهما كانت درجة القوة القاهرة في فرضها؛ لأنها في كيان من يرفضها، تقتل في الذات قبل قتلها في المجتمع.
كما تلعب رغبات التدمير دورها في قيادة هدم الأمة من الداخل.
هذا ما يجري اليوم في عدة دول عربية سقطت بفعل سطوة الدولة القمعية والمعارضة الفوضوية التي مارست واقع السلطة عبر الارهاب، فكان رد الجماهير ضرب الارهاب بالارهاب، وفي الحاضر لم تعد تحكمها إلا افرازات قليلة من بقايا القوى المحركة لكل ما يجري فيها.
في بعض المجريات تتحول الفوضى والصراعات إلى قواعد سارية المفعول في الحياة، بل تخلق لها كل وسائل البقاء والتجانس مع الجماهير، بل قد تتشكل في برامج عمل ونظم جارية في قنوات الافعال.
وهذه حالات دائماً ما تمر بها مجتمعات صناعة الفوضى الدائمة لكن هنا نقف أمام سؤال هو: لماذا تعجز بعض الشعوب عن لجم الفوضى؟!
هل العجز في مقدرتها على تجاوز تركيبتها النفسية التي عاشت ما بين الاستسلام والتمرد، بمعنى إما اليأس أو الفوضى؟!
لكن هذا يعني ان الجماهير حين ترى في مبدأ الفوضى قوة دافعة لم تعد تحترم القانون الذي تجد فيه قيوداً تحد من قوى الاندفاع، بل تتمرد عليه وربما تدخل في صدام معه لحد الهدم الكامل لكل ركائزه.
هنا تصبح الجماهير في حالة عجز في قضية التخاطب مع مفهوم الدولة.
وهل تستطيع الدولة ان تخرج من رحم الفوضى، وهل الجماهير التي جعلت من الفوضى طريقاً للسيطرة تملك المقدرة على البناء حسب شروط المجتمع المدني الذي لا يقام إلا على القوانين والنظم؟!
هناك تساؤلات المواجهة الخارجة من عمق الالتقاء بين سيطرة الجماهير وقيام الدولة، لان حالات الفوضى الجماهيرية دائماً ما تخلق الأرضية غير المستقرة ومن هنا نجد ان الفوضى لا تستمر إلا بين تواصل التصدع في القشرة السياسية والتي فقدت القدرة على خلق التجانس بين مكونات الجماهير التي خرجت في صف واحد تطالب بقلب الأوضاع.
لكن علينا في كل هذا ان نطرح هذا السؤال: هل للفوضى ثقافة تعزز في عقليات الجماهير؟!
الاجابة: هي في مفاهيم علم العامة تراكمات في الافعال وردود الفعل، بل مقادير من الحقد والثأر والرغبة في الانتقام وهي عوامل مكتسبة في عمق الوجدان وشعور ويظل في حالة سكون في تلك الابعاد الخفية من سلوكيات الفرد او الجماعة، حتى تتجمع عدة عناصر تساعد على رفعها من تلك الجوانب إلى مخارج الافعال لتصبح الفعل المتحكم بالرغبات والاحلام ولعل أخطر ما فيها جعل الوهم في موضع الفعل القادر على خلق الحقيقة .
تلعب في هذا قوة الكلمات في صناعة الصور في عقول العامة بمعنى ما فقد في الواقع يرتفع في المخيلة إلى حد التجسيد الواقعي، وحين يتضخم الوهم إلى درجة الحقيقة المؤكدة وكلما طالت مراحل التحدي عند العامة تكون الأوهام قد تجسدت في كل اشكال التضحيات وفي هذا ترى الجماهير أن الفوضى هي برامج العمل السياسي بل خطابها القومي في مسيرة هذا النضال التحرري ضد كل ما هو دخيل عليها .
حين يتحاور الهدم مع القوة في عقل الامة تصبح في حالة هيجان قاتلة تعبر عنها بانواع الرفض و التمرد، ويفرض مبدأ العنف ضد الطرف الآخر الذي يذهب هو إلى نفس الطريق في التعامل مع رفض الجماهير. هذا النوع من اساليب التوحش وقعت فيه عدة شعوب واوطان فلم تحصد منها غير الدمار الكامل لأنها أغفلت في ردها على أخطر سؤال في السياسة وهو (ماذا بعد)؟
ليست الازمة في انطلاق الفوضى الجماهيرية بل فيما يكون بعدها وهو السؤال الذي عجزت عن الرد عليه قيادات وجماهير، مما جعل أمورها معلقة دون رد قاطع وفي هذا ما يؤكد أن العقليات التي دفعت الجماهير نحو الفضاء عجزت في النهاية عن الإمساك بزمام الامور، والثورة إن جاءت من خلفيات فوضوية فلا توصل في النهاية إلا للنفق المظلم.
علينا هنا أن نقف عند قضية المجتمع الذي تنطلق منه عناصر الفوضى الجماهيري..
ففي الدول التي اقامت مؤسسات المجتمع المدني تظل المرجعية في قيادة الأمور محكمة بتاريخ هذه الدول التي تدرجت عبر فترات من الأزمنة في صياغة مفهوم الدولة والمعارضة، حيث تحتكم في النهاية إلى إرثها في إعادة تشكيل الجوانب السياسية في قيادة الدولة.
أما في الشرق ، ما زالت مسائل الدولة والسلطة والاحزاب بل حتى الانتماء الجماهيري مرتهنة بعناصر القوى الذاتية من مذهبية وقبلية ومناطقية وطائفية وغيرها من معالم التشرذم في خلق القرار الواحد.
وهذا ما يجعل آلية بناء الوعي الجماهيري المتكامل العناصر مفقودا في معظم الاحيان فقد تأتي الجماهير إلى الساحات وهي ترفع شعارات واحدة لكنها عند الاقتراب من الهدف تخرج الانتماءات الذاتية التي تطالب بحصص كل جماعة وكأن الغرض لم يكن قضية عامة بل تسابق نحو غاية وهي الانفراد بالسلطة.
وهذا ما قد يدفع بعناصر نحو قوة السلاح في لحظة إن حست أن البساط يسحب من تحت اقدامها. وهو الخيار الثاني الذي لا ثالث بعده لأن عقلية الفوضى حين تصل إلى طريق مغلق أو تشعر بانها سوف تزاح حتى لو كان ذلك عن طريق فعل ديمقراطي مثل الانتخابات أو طرح للرأي العام لا ترى في هذا إلا خيانة وتآمر عليها لإخراجها من الساحة ورميها في زاوية تقصي بها عن واقع الاشياء. إن الفوضى في السياسة هي جزء من حالة الواقع السياسي في كل العالم .
لكن الاختلاف في مستويات ثقافة الشعوب الفكرية وما كسبت من تجارب تركت في عمق وجدان الأمم من معالم ترشدها إلى مسالك الخروج من دوامات التناحر. أما في المجتمعات التي ما زالت تحكم عبر عقليات الكهوف المظلمة فإن المسائل ما زالت في حلقات الحروب المغلقة. حتى لو حدث تبدل في صورة القوى السياسية فإن الإفراز يكون من نفس المصادر السابقة، مما يعني ان لا جديد قادم طالما التشكل يأتي من نفس المصدر، وهذا ما نجده في دول تعاني الحروب الأهلية عبر حقب لكنها عاجزة عن صنع قيادة تخرج بها من هذه المحارق.
إن ثقافة الفوضى عند الجماهير ليست وليدة الوعي الحضاري بل هي تراكم الافعال القهرية في الانفس على مراحل من الصراعات وكلما طالت الازمات في أوقاتها كان الحقد والرغبة في الانتقام ليس من السلطة فقط، بل حتى من المجتمع، آليات تحرك في العقل المترصد لكل حالات القهر والتلاعب في حسابات المصير.
واليوم نرى دولاً قد أحرقتها الفوضى المسلحة إلى حد لم يعد هناك مجال لنجاح أي مشروع سياسي يخرجها من هذا الخراب.
إن الجماهير وإن صنعت الفوضى في مرحلة ربما تعجز بعد ذلك عن الخروج منها بعدما تصبح القوى المسيطرة على المشهد في عقول العامة.
لذلك قبل الاقدام على العمل في الشارع السياسي لابد من عقليات ترسم استراتيجية تحدد نقطة الانطلاق واين تصل الامور.. ولا نغفل هذا السؤال: ماذا بعد؟

