قبل عشرة أشهر من اليوم أصدرت (هيومن رايت ووتش) تقريراً عن انتهاكات مختلف الأطراف الموجهة ضد الإعلاميين في بلادنا، وجاء فيه "تهدد الهجمات المتكررة للأطراف المتحاربة على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية حياة عشرات الصحفيين، وتقوّض بشكل خطير حرية التعبير في اليمن. ينبغي للسلطات في اليمن بذل كل ما في وسعها لضمان تلبية الاحتياجات والحقوق الأساسية للناس، بدل الاعتداء على أولئك الذين لا يفعلون سوى نقل الأحداث وإسكاتهم". لكن التقارير المتواترة من عدة جهات تتحدث كذلك عن عدد الضحايا من الإعلاميين، وهي أعداد تقترب كثيراً من الإعلاميين الذين استهدفتهم الولايات المتحدة الأمريكية في حربها على العراق، ولا تتفوق عليها في هذا المضمار إلا إسرائيل في حروبها في الأراضي الفلسطينية المحتلة ولبنان. ففي العراق اغتالت الولايات المتحدة ما بين 230 - 300 إعلامي، أما شريكتها الدائمة فقتلت 265 خلال حربها في فلسطين و27 في لبنان.
الحقيقة مخيفة عندما تتعرى، وجميعهم يخافون الحقيقة في تعريها، في هذه الحالات غير مرحب بالشهود. لسنا بدعاً بين الأقوام، نحن أيضاً لا نحب أن نرى الحقيقة ولا أن يراها الآخرون... ولماذا يوجد الشهود أصلاً حينما لا لزمة لذلك.
الحيز المتاح لا يوفر فرصة التعرض لكل حالات - فلنقل سفاط الإعلاميين، مع أنه سفاط خشن - في كل منطقة، لأن ذلك لن يكون بالمقدور بسبب المشكلة الدائمة مع الاحصائيات الدقيقة، وليس فقط. واقعة هزاع تذكرني بحادثة اعتقال أحد شعراء أبين بعد إلقائه قصيدة في حفل تأبين الشهيد جار الله عمر في مبنى محافظة عدن عام 2003.
هكذا هي اللوحة باختصار. ومع ذلك فقد لفت نظري موقف الأخ معمر الإرياني فيما يخص واقعة حمود هزاع في مأرب، ومأرب حاضرة دائماً في مثل هذه الوقائع. أولاً اطلعت على خبر اعتقال "الصحفي" وعلقت بعض المواقع أن ذلك تم (بدون سبب مقنع)، وبعدها جاءت روايتان. والأولى من شخصية اعتبارية غير محددة الملامح (أمن مأرب)، تقول: بأن هزاع (ضابط في الجيش)، وأن استضافته لديهم لم تكن تكريماً لعمله الصحفي - مع أن الرجل سبق له وكان ضيفاً مميزاً العام الماضي - وإنما بسبب "سلوك داخل الفعالية"، وأن ذلك السلوك، حسب البيان، "تمثل في توجيه عبارات مسيئة ومحاولة التهجم على وزير الإعلام معمر الإرياني، وهو ما استدعى التدخل الأمني".
إذن تدخل الأمن حماية للوزير الإرياني من عبارات مسيئة أطلقها صحفي - دعونا من صفة ضابط، لأن صفة ضابط لا تنفي عنه مهنته الصحفية، فلو ترك العسكرة فلن يعرف إلا باعتباره صحفياً. أن يهاجم صحفي وإعلامي مسؤولاً ما فهذه ليست سابقة على الساحة الدولية، فقد هاجم الإعلامي البريطاني بيرس مورغان إستراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخصوص إيران، قائلاً "إنه لا يمتلك أدنى فكرة عما يحاول تحقيقه"، هذا على رغم العلاقة التي تربط بين الاثنين. أما الإعلامي الأمريكي الشهير تاكر كارلسون فقد اتهم ترامب علانية بالسرقة، وأنه يقوم "بسرقة نفط دول أخرى" و"يعلن عن ذلك بشكل علني"، ومن جانبه لا يقصر ترامب في الإساءة للصحفيين، وتنتهي الأمور عند هذا الحد.
لكن دعونا نقلب الصيغة: لو أن مسؤولاً هو الذي وجه إساءات لمواطن عادي أو حتى لإعلامي، هل كان الأمن سيتدخل لنفس الحجة ويعتقل ذلك المسؤول على اعتبار أن الجميع متساوون أمام القانون؟؟؟
الرواية الثانية جاءت من شخصية اعتبارية معلومة هو الإرياني. هذه الرواية نسفت الرواية الأولى. نفت الالتقاء "بالصحفي بالمناسبة المذكورة"، وأكدت أن "الصحفي لم يكن حاضراً في القاعة". وأنه "لم يسمع منه أي إساءة شخصية"- طبعاً كيف يسمع إساءة من شخص غير موجود، و"لم يطلب من أي جهة اتخاذ أي إجراء بحقه"، وكيف تتم المطالبة بإجراءات ضد شخص وهمي. ثم إذا كانت المناسبة جماهيرية، فكيف لها أن تتم بقاعة؟؟
وأجمل ما في رد الإرياني هو: "رفضه القاطع لأي إساءة أو تضييق أو احتجاز يتعرض له أي صحفي بسبب رأي أو موقف أو حتى إساءة موجهة إليه، مشددًا على أنه لا يقبل أخلاقيًا أو مهنيًا أن يُحتجز أي صحفي باسمه أو بسببه". وهو يعتقد - وفق رده الذي نشرته منصات كثيرة بعد نشرها توضيحات الجهات الأمنية في مأرب - أن "حماية الصحفيين وصون كرامتهم وحريتهم وسلامتهم تمثل ركيزة أساسية من ركائز الدولة وسيادة القانون، ويجب احترامها في جميع الظروف".
كلام كهذا لم أسمعه من أي وزير إعلام، فقد كانوا مشفرين جداً، وغير متاحين حتى لحديث ودي، وحتى عندما نافحوا حول كادر الإعلاميين كان ذلك بدواعٍ انتخابية لا مهنية، فمات قبل ولادته. كلنا نتشارك قيم الحرية حيال الجميع بغض النظر عن انتماءاتهم.
