استمتعت أيما استمتاع بمتابعة مباراة منتخب الكونغو الديمقراطية أمام البرتغال. مع أن هذه هي المشاركة الثانية للكونغو في كأس العالم، إلا أنها بدت ندا لافتا للبرتغال، ولم يبال اللاعبون الكونغوليون بالأسماء الرنانة لأعضاء المنتخب البرتغالي، وظهر الدون عديم الحيلة في المباراة. لقد كان تعادلا بطعم الفوز لمنتخب باتريس لومومبا المشجع.
في عام 1974، شاركت الكونغو في كأس العالم للمرة الأولى في ألمانيا الغربية، ضمن مجموعة حديدية ضمت البرازيل ويوغوسلافيا واسكتلندا. كان ذلك في السنوات اللاحقة لاستقلالها عن بلجيكا، كان اسمها حينها زائير.
كانت بلجيكا طموحة في الحصول على مستعمرات كحال بعض الدول الأوروبية. الفشل في الحصول على موقع قدم في آسيا وافريقيا دفع الملك ليوبولد الثاني نحو الكونغو (أكبر من بلجيكا بـ 72 مرة) كهدف له، فاشتراها من سكانها الأميين الذين وقعوا على عقود تنازلوا له فيها عن بلادهم ثم صاروا عبيدا له.
الاحتلال البلجيكي للكونغو واحدة من قصص الرعب الفظيعة شبيهة بالفظائع النازية، تملك ليبولد العبيد لثلاثة عقود، كانوا له مصدرا للثراء الشخصي من خلال استغلالهم وبلدهم بسبب طقسها المناسب لزراعة المطاط الذي زاد الطلب عليه نتيجة اختراع العجلات.
لقد تمكنت كرة القدم في لحظة فارقة بعث رمز نضال شعب الكونغو باتريس لومومبا ليس فقط في مدرجات ملاعب البطولة الأفريقية، بل وفي دهليز النظام الاستعماري البلجيكي ووسائل الإعلام التي اعتادت مناهضة فكرة التحرر الوطني. هذا حدث لأن المشجع ميشيل كوكا مبولادينغا لا يحمل في ذاته وجها للشبه بلومومبا زعيم الثورة الزائيرية ورئيس الوزراء المنتخب فقط، بل ويحمل بين جوانحه روح الوفاء لأحد رموز بلاده وأفريقيا.
إنه المشجع التمثال، الذي يظل يؤازر منتخب بلاده منذ الصافرة الأولى حتى الأخيرة، يبكي إذا خسر منتخبه، إنه حب عذري ووفاء لبلده ولمن قدم لبلده نفسه فداء، لا يبلغه أي حب أو وفاء. وفاء لقائد لا يعرفه، ليس من قريته ولا أسرته، ولم ينصبه الاستعمار حاكما ولم يسوقه للكونغوليين، بل ظل يطارده حتى بعد الاستقلال. وحينما تمكن منه بمساعدة العملاء والمرتزقة أذابه بالأحماض كما فُعل بأحدهم منذ مدة قريبة، لكن النازية لا تفارق المستعمر حتى في لحظة هزيمته. أحد ضباط الاستخبارات البلجيكية المكلف بلومومبا قام باقتلاع ضرسه بعد قتله وأخذه تذكارا لجريمته. لم تعد بلجيكا الضرس لأهله إلا عام 2022، بعد انكار للجريمة استمر 61 عاما.
ربما فشلت كرة القدم في توحيد الشعوب، إلا أنها نجحت في أن تحرك الكثير من المياه الراكدة، واستطاعت أن تعيد فتح الكثير من الملفات المسكوت عنها ومن بينها قضية اغتيال المناضل الكونغولي باتريس لومومبا، الذي اختار أحد مشجي الكونغو الديمقراطية في بطولة أمم أفريقيا إحياء ارثه، ليرغم بظهوره اللافت القضاء البلجيكي على إعادة النظر في القضية، وبشكل رسمي.
طوال المباراة يظل (لومومبا الشبيه) واقفا كوقفة لومومبا الزعيم رافعا يده كما يرفعها ويلبس كما لبس، إنها وقفة للتاريخ تذكر ضمير العالم بخطاياه المنتشرة عبر بر العالم وبحاره ومحيطاته لا يذكر بمسيرة لومومبا فقط بل وعرفات ونيلسون مانديلا وتشي جيفارا وعبد الناصر.... و...و..و..و. هو لا يقف في ساحة معركة بالسلاح، ولكنها معركة أخرى، معركة عودة الروح، معركة العدل وعودة الحق لأهله، معركة الاعتراف بالخطيئة. يافطته تقول بصوت صامت لكنه عال «لومومبا لم يمت.. العدالة لم تُحقق بعد»، يافطة وصورة الزعيم تسأل: «بلجيكا.. أين العدالة بعد 64 عامًا؟».
تلك الوقفة المهيبة والصمت الصاخب حمله الأثير الذي جلل الكون حرك مياهاً ركدت لأكثر من نصف قرن، ودفع الجاني نحو طريق الاعتراف بجريمته ليس فقط الأخلاقية كما كان يدعي بل والجنائية. في 20 يناير 2026، عقدت محكمة في بروكسل للنظر في ملف إتيان دافينيون المتهم بالمشاركة في «الاحتجاز والنقل غير القانونيين» للومومبا، إضافة إلى «معاملات مهينة ومذلة»، هذا يبدو اعترافا بالتقسيط. النيابة البلجيكية تعتبر هذا المجرم آخر شخصية يمكن أن تواجه المحاكمة، لكن التاريخ ستكون له كلمة أخرى.
صار لومومبا أيقونة في كرة القدم، إلى حد مطالبة اللاعبين والجهاز الفني من السلطات بتحمل تكاليف حضوره مونديال 2026. لكننا لم نره في مباراة منتخبه الأولى أمام البرتغال بسبب الاشتراطات الصحية المفروضة على بعض الدول، لكنه سيحضر يوم 24 يونيو الجاري لمناصرة فريقه أمام كولومبيا. سيحضر لومومبا بقية المونديال إذا لم تصحُ النعرة العنصرية، وستحضر معه قضية بلاد لاتزال عرضة للاغتيال.
