بدأت الرحلة منفردا لا أحمل سوى شجوني في حقيبة صغيرة مملوءة بالأوراق وجواز سفري، وقفت في الجيزة في شارع توفيق شمس أمام مبنى كانت بدايته متواضعة جدا، وفكرة إنشائه أن يلم النساء اليمنيات اللاتي يأتين إلى مصر طلبا للعلاج ولم يرافقهن أحد، أولئك اللاتي يعانين من أمرض الغدة الدرقية ولم يجدن العلاج ولا الأجهزة الطبية المتطورة التي تقضي على هذا المرض خلال فترة وجيزة، بل كان بعضهن يقضين نحبهن قبل أن يصلن إلى القاهرة.
الانطلاقة قبل أربعة أعوام
وقفت أمام هذا المبنى الذي أصبح مؤسسة متكاملة تحمل في واجهتها “المؤسسة اليمنية لأمراض السرطان والأعمال الخيرية”. الحركة دؤوبة بين داخل إلى المبنى وخارج منه، وجوه أنهكها المرض وأخذ من جسدها ما أخذ. وفي داخل المبنى يوجد العديد من الموظفين يستقبلون ملفات المرضى وينظمون حركتهم ويذللون لهم السبل للوصول إلى الغاية التي يأتون إليها. هذا المبنى يختزل المسافات بين اليمنيين، لا شمال ولا جنوب، يلجؤون إليه من مختلف المحافظات اليمنية.
وقفت في صالة الانتظار أمام مكتب محمد الجبلي والأخت ريم أتفحص بعزيمة كل القاعدين والقادمين في صالة الانتظار الجميلة بتواضع أثاثها ومكيفاتها، من مبنى لإيواء اليمنيات إلى مؤسسة كاملة.
لقد توسع المبنى إلى ثلاثة مبان يستوعب ثلاثين نزيلا يتلقون العلاج المجاني والغذاء المناسب للمرض. كما يوجد سكن آخره هو دار الحياة، يتسع لـ٧٠ نزيلا من مرضى السرطان.
إدارة المؤسسة
تدير المؤسسة كوادر يمنية متخصصة في مجال الأورام : الدكتور محمد البيحاني استشاري الأورام، والدكتور عبدالله باسويد استشاري كيمياوي، والدكتورة زينات استشاري الغدة الدرقية واختصاصي الطب النووي كتخصص نادر.
تقدم المؤسسة استشارات مجانية لمرضى السرطان، كما ترتبط بعلاقات إنسانية مع المستشفيات التي تقبل أمراض السرطان، وخصوصا سرطان الأطفال، منها مستشفى ٧٧ لسرطان الأطفال.
وتسهم المؤسسة اليمنية مع المرضى في الاستشارات المجانية وفي المسح الذري، يصل أحيانا إسهامها إلى ٥٠٪، وفي بعض الحالات يجرى الفحص بشكل مجاني، كما تسهم بـ15 ٪ مع المريض في مجال الإشعاع، وفي مجال إشعاع سايبر نايف يصل إسهامها 10 ٪ من القيمة الكلية للإشعاع.
ومن الملاحظات الإنسانية الجميلة إسهام الداعمين في بعض الأحيان بقيمة العمليات للمرضى التي تبلغ كلفتها ١٦٠ ألف جنيه. وهذ الجانب الأخلاقي النادر يفترض أن تتناوله أجهزة الإعلام المقروءة والمسموعة ومواقع التواصل الاجتماعي.
وكان لزاما علي أن أوضح أن المؤسسة من خلال برامجها لا تقبل النزيل مع مرافقه أكثر من ثلاثة أشهر، إلا أن هناك نزلاء تعدت فترة إقامتهم ٧ أشهر وبعضهم عاما كاملا. وبحسب المصادر المؤكدة فإن الجانب الإنساني وقف حائلا أمام مدراء المؤسسة واستصعب إخراجهم نظرا لوضعهم الصحي.
غادرت مبنى المؤسسة في تمام الثانية بعد الظهر في ظل صيف قائظ لم أودع المكان ولكني كنت أودع وجوها على ملامح بعضها الحزن، وبعضها متعلقة بأمل في الحياة والبعض الآخر لا تستطيع قراءتها، وكأنها تعيش أياما يتيمات.
أتمنى ممن يطلع على هذا التقرير أن لا تذهب أفكاره بعيدة تماما، ربما لم يدرك معظم مسؤولي المؤسسة من أنا ولم يعرفوا هويتي وماهي معاناتي، وإنما دفعني فضولي الصحافي إلى أن أستعيد ذكريات عملي المهني الذي قضيت فيه أجمل أيام عمري (٣٥ عاما) في بلاط صاحبة الجلالة في مؤسسة ١٤ أكتوبر للصحافة والطباعة والنشر.
