أمهات في دوامة البدائل.. بين غياب الوعي وضريبة الحليب "الصناعي"



الرضاعة الخالصة تقلل خطر "سرطان الدم" والبدائل تهدد الاطفال الخدج
اللبأ هو "اللقاح الأول" وللإرضاع مزايا نفسية واقتصادية للأم
برمجة الجسم صحياً تبدأ بالتغذية التكميلية السليمة
اطباء يسعون وراء فرض سياسات "صديقة للأم العاملة" في مقار العمل
20% فقط نسبة صادمة لمعدل الرضاعة الطبيعية في اليمن.. الأسوأ عالمياً
استطلاع/ خديجة الكاف
تواجه الطفولة في اليمن انتكاسة صحية صامتة، بعد أن كشفت المؤشرات الأخيرة عن تراجع مخيف في معدلات الرضاعة الطبيعية الخالصة لتسجل 20% فقط، وهي النسبة الأدنى عالمياً. هذا التراجع الحاد يضع أطفال اليمن في مواجهة مباشرة مع أمراض الطفولة القاتلة وسوء التغذية، في وقت يُمثّل فيه لبن الأم اللقاح الطبيعي الأول والبيئة المناعية المستدامة.
أمام هذا المشهد القاتم، برزت الأصوات الرسمية والطبية للمطالبة بنفض الغبار عن التشريعات الصحية، وعلى رأسها قرار مجلس الوزراء رقم (18) لعام 2002م بشأن لائحة تشجيع وحماية الرضاعة الطبيعية، وتفعيله كأداة قانونية ملزمة لتجريم التسويق العشوائي لبدائل حليب الأم.
"صحيفة 14 أكتوبر" تفتح هذا الملف، وتستطلع آراء مسؤولي وزارة الصحة، والأطباء الاختصاصيين، والأمهات.. وإليكم الحصيلة:
تروي أم محسن تجربتها بمرارة قائلة:
"أنا أم لطفلين، الأول كان نموه ووزنه طبيعيين لاعتماده التام على الرضاعة الطبيعية. أما طفلي الثاني، فلأنني كنت مجهدة بعد الولادة، تم وضعه في الحضانة وكُتب له الحليب الصناعي منذ ساعاته الأولى. اليوم عمره سنة وستة أشهر، وهو ضحية دائمة للأمراض المعدية والسعال والزكام، ونموه ضعيف جداً. حين عرضته على طبيب أطفال، وبخني قائلاً: (كان يجب أن يرضع منكِ طبيعياً)، والآن نمر برحلة علاج شاقة."
وعلى النقيض تماماً، تستعرض أم كلثوم نموذجاً ناجحاً للوعي المتوارث:
"بفضل نصائح والدتي، أرضعت أطفالي الثلاثة رضاعة طبيعية مطلقة لستة أشهر كاملة دون قطرة ماء أو حليب صناعي، وصحتهم اليوم ممتازة. الرضاعة الطبيعية لم تحمِ أطفالي فحسب، بل منحتني ميزة طبيعية لتباعد فترات الحمل لأكثر من سنتين بين كل طفل. أتمنى من كل أم أن تبتعد عن البدائل التجاریة في الأشهر الأولى."
في الشق الطبي التخصصي، تشرح الدكتورة سوسن عمر فدعق (أخصائية أطفال وحديثي ولادة، واستشارية الرضاعة الطبيعية بمركز الطوارئ التوليدية - مستشفى الشعب سابقاً) المفهوم العلمي الدقيق للرضاعة الخالصة تقول د. سوسن فدعق: "الرضاعة الخالصة تعني اقتصار الرضيع على لبن الأم فقط دون ماء أو سوائل تكميلية كالعسل أو الجلوكوز التي تدخلها بعض الأسر وتعرّض حياة المولود للخطر. لبن الأم ليس مجرد غذاء، بل هو نسيج حي غني بالأجسام المضادة، واللاكتوفيرين، وخلايا الدم البيضاء."

وتضيف فدعق مؤكدة أن الرضاعة الطبيعية تقلل نسبة إصابة الأطفال بسرطان الدم (اللوكيميا)، وتحمي الخدج من مرض القولون الناخر (NEC) القاتل.
وعن سبل استغلال قرار مجلس الوزراء لعام 2002م، وضعت د. سوسن رؤية استراتيجية من خمسة محاور:
تفعيل التثقيف: توعية الحوامل بمخاطر الرضاعة الصناعية داخل المرافق.
قدسية الساعة الذهبية: بدء الرضاعة مباشرة وتأكيد الملامسة الجسدية بين الأم والوليد في الساعة الأولى.
حظر موانع الإدرار: تجنب صرف أدوية للأم تقلل اللبن (مثل الموانع المحتوية على الإستروجين).
قطع دابر الشركات: منع أي تواصل مباشر بين ممثلي شركات الحليب والكوادر الطبية أو الأمهات، وحظر الهدايا والمنشورات الترويجية.
المحاسبة القانونية: تعليق هذه المدونة في المشافي العامة والخاصة وفرض عواقب صارمة على المخالفين.
مطالبة بقانون رادع يجرم التسويق داخل المشافي

من زاوية المنظمات الدولية والميدانية، تدق الدكتورة دعاء الأهدل (مسؤولة الصحة والتغذية بمنظمة "هاد" - المكتب الرئيسي عدن) ناقوس الخطر بشأن غياب الرادع القانوني:
تقول د. دعاء الأهدل: "الساعة الأولى من الولادة هي (الساعة الذهبية) التي يتلقى فيها الطفل لبأ الأم الغني بمركبات تبني درعاً واقياً ضد أمراض الحساسية والأمراض المزمنة والسرطانات مستقبلاً. مدونة سلوك بدائل لبن الأم معروفة دولياً، لكن المعضلة محلياً تكمن في غياب التشريع الرادع. نحن نعمل حالياً على تعميم هذه المدونة كتشريع ملزم للكوادر الطبية، ونطالب بقوة بتجريم تسويق بدائل لبن الأم داخل المستشفيات الحكومية والخاصة لرفع معدلات الرضاعة الخالصة."
بدوره، يصف الدكتور أسامة محمد علي محمد (أخصائي طب الأطفال وحديثي الولادة) لبن الأيام الأولى (اللبأ) بأنه "اللقاح الطبيعي والمناعي" الذي يحتاجه الطفل مدى الحياة، كونه غنياً بالبروتينات والبيتا كاروتين، فضلاً عن دورة الميكانيكي في مساعدة الرضيع على إخراج "العقي" (براز المولود الأول).
ويستعرض د. أسامة جدولاً شاملاً للمزايا التي تعود على الأم المرضعة:
صحياً: تقليل خطر الإصابة بسرطان الثدي، المبيض، ضغط الدم، السكري، وهشاشة العظام.
نفسياً: تقليل التوتر والقلق، وإفراز هرمونات تعزز الاسترخاء والترابط العاطفي مع الوليد.
اقتصادياً وبيئياً: توفير ميزانية شراء الحليب الصناعي المرهقة، وحماية البيئة من نفايات التعليب الملوثة.
وأشار إلى أن قرار عام 2002 يحمي أيضاً الأم العاملة ويكفل لها بيئة داعمة، داعياً لتفعيل الرقابة على الأسواق لمنع التسويق غير القانوني.
من المنظور الإستراتيجي لوزارة الصحة، يوضح الدكتور محفوظ علي مقبل (مدير إدارة التغذية بالوزارة) خطة الرعاية بعد الشهر السادس قائلاً: "بعد الشهر السادس، تزداد احتياجات الطفل الجسدية، وهنا يأتي دور التغذية التكميلية (حبوب، خضار، فواكه، بروتينات) مع استمرار الرضاعة الطبيعية حتى عامين. التغذية السليمة المبكرة تعمل على (برمجة الجسم صحياً)، فالأطفال الذين حظوا برضاعة طبيعية وتغذية تكميلية متوازنة هم الأقل عرضة مستقبلاً لأمراض السمنة، السكري، والتقزم."
وشدد د. محفوظ على ضرورة إدماج مبادئ المدونة الدولية لتسويق بدائل اللبن في البرامج الميدانية الحيوية مثل (CMAM) و(MAMI)، لضمان حماية الرضاعة الطبيعية في السياقات الإنسانية الطارئة.

واما الدكتور محمد مصطفى راجا منار (مدير عام صحة الأسرة بوزارة الصحة العامة والسكان)، تحدث عن دور الوزارة في تحويل قرار مجلس الوزراء لعام 2002م إلى واقع ملموس، بهدف كبح معدلات وفيات الأطفال الناتجة عن النزلات المعوية الحادة والالتهابات الرئوية.
وأكد د. محمد منار أن الوزارة تركز جهودها حالياً على ثلاثة مسارات:
الرقابة المشددة: منع الإعلانات المضللة والترويج غير المنضبط للحليب الصناعي في الأسواق والمرافق الصحية.
بيئة عمل صديقة: الضغط لتفعيل تشريعات تحمي الأم العاملة، مثل تمديد إجازة الأمومة، وإلزام المؤسسات بتوفير غرف خاصة للرضاعة.
مكافحة تضارب المصالح: تدريب الكوادر الصحية على تقديم مشورة حيادية تعتمد على الأدلة العلمية، ومنع أي توجيه للأمهات لخدمة شركات تجارية.
ختاماً
إن بقاء اليمن في ذيل القائمة العالمية لمعدلات الرضاعة الطبيعية الخالصة بنسبة لا تتعدى 20%، ليس مجرد رقم إحصائي عابر، بل هو ناقوس خطر يدق ليعلن عن جيل كامل ينمو بمناعة هشّة أمام الأوبئة وسوء التغذية إن قرار مجلس الوزراء رقم 18 لعام 2002م ليس رفاهية قانونية، بل هو سياج أمني وصحي حان الوقت لفض الغبار عنه وتحويله إلى سيف مسلط على الشركات التي تتاجر بصحة المواليد.
إن إنقاذ أطفال اليمن يبدأ من تشريعات صارمة تجرم التسويق داخل المشفى، وتنتهي بوعي مجتمعي يعيد للرضاعة الطبيعية قدسيتها وقيمتها الحيوية.
